الروحيّة المقاصدية في الفكر الإسلامي المعاصر
الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن
الروحيّة المقاصدية في الفكر الإسلامي المعاصر
دراسة في التزكية والتوجيه التربوي والاجتماعي بين الأصالة الشرعية والانحرافات الصوفية المعاصرة..
ملخص:
يُعدّ موضوع الروحية من أكثر القضايا إلحاحًا في العصر الحديث، حيث يعيش الإنسان المعاصر حالة من القلق الوجودي والاضطراب النفسي والتفكك الاجتماعي رغم التقدم المادي والتقني الهائل.
وقد أدى هذا الفراغ الروحي إلى عودة الاهتمام بمفاهيم التزكية والإحسان والتربية القلبية في الفكر الإسلامي المعاصر.
غير أن هذا الاهتمام صاحبه ظهور اتجاهات متعددة؛ بعضها حافظ على أصالة المنهج الشرعي والمقاصدي، وبعضها انحرف نحو تصوف شعائري أو خرافي أو انعزالي أو تجاري بعيد عن مقاصد الوحي.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم “الروحية المقاصدية” باعتباره محاولة لإعادة بناء العلاقة بالله تعالى على أساس القرآن والسنة ومقاصد الشريعة، بحيث تتحول التزكية من مجرد ممارسات فردية إلى مشروع حضاري تربوي واجتماعي وأخلاقي شامل (ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية).
مقدمة:
يشهد العالم المعاصر أزمة روحية عميقة تتجلى في انتشار الاكتئاب والقلق والوحدة والاغتراب وفقدان المعنى رغم وفرة وسائل الراحة المادية (فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى).
وفي المجتمعات الإسلامية ظهرت الحاجة إلى استعادة البعد الروحي للدين، ليس باعتباره انسحابًا من الحياة، وإنما باعتباره قوة دافعة للإصلاح والبناء والتوازن.
فالقرآن الكريم لم ينزل لصناعة إنسان متعبد فحسب، بل لصناعة إنسان مزكّى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9).
كما جعل الله تعالى غاية البعثة النبوية: ﴿يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2).
ومن هنا نشأت الحاجة إلى إعادة قراءة التراث التزكوي والصوفي قراءة مقاصدية نقدية تجمع بين الأصالة والتجديد.
المبحث الأول: مفهوم الروحية المقاصدية
*أولاً*: مفهوم الروحية:
الروحية في التصور الإسلامي ليست مجرد مشاعر وجدانية أو أحوال نفسية مؤقتة.
بل هي: “حياة القلب بالله، واتصاله الدائم به محبةً وخوفًا ورجاءً وتعظيمًا ومراقبة.”..
وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (الأنعام: 122).
فالحياة الحقيقية هي حياة القلب.
*ثانياً*: مفهوم المقاصدية:
المقاصدية تعني النظر إلى الغايات والحِكم والأسرار التي جاءت الشريعة لتحقيقها (الشاطبي، الموافقات).
ومن أهم مقاصد التزكية:
– تحقيق العبودية لله.
– إصلاح النفس.
– بناء الأخلاق.
– تحقيق العمران.
– نشر الرحمة.
– تحقيق السكينة والأمن النفسي والاجتماعي.
*ثالثاً*: مفهوم الروحية المقاصدية
يمكن تعريفها بأنها: “منهج تربوي إيماني يهدف إلى بناء الإنسان قلبيًا وأخلاقيًا وسلوكيًا وفق مقاصد الوحي، بحيث تصبح العبادة وسيلة للإصلاح الشامل للنفس والمجتمع.”..
فهي تجمع بين:
– الإيمان.
– التزكية.
– المقاصد.
– العمران.
– المسؤولية الاجتماعية.
المبحث الثاني: الأسس الشرعية للروحية المقاصدية
1- القرآن الكريم: يربط القرآن دائمًا بين:
– الإيمان والعمل.
– العبادة والإصلاح.
– الذكر والعمران.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45).
فمقصد الصلاة ليس مجرد الأداء الشكلي، وإنما صناعة الاستقامة.
2- السنة النبوية: قال رسول الله ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (متفق عليه).
فالرسول ﷺ جعل إصلاح القلب أساس الإصلاح الشامل.
3- السيرة النبوية: كان النبي ﷺ يجمع بين:
– الذكر والجهاد.
– العبادة والعمل.
– الخلوة والدعوة.
– التزكية والعمران.
ولم يعرف عنه الانعزال عن الناس أو تعطيل أسباب الحياة.
المبحث الثالث: التزكية في الفكر الإسلامي
التزكية عند الصحابة: كانت التزكية عند الصحابة:
– علمًا.
– عملًا.
– أخلاقًا.
– تضحية.
– خدمة للناس.
ولم تكن مجرد أوراد وأذكار.
فأبو بكر رضي الله عنه كان من أكثر الناس خشية لله وأكثرهم خدمة للأمة.
التزكية عند الغزالي: يُعدّ أبو حامد الغزالي رحمه الله من أبرز من أصلوا لعلم التزكية.
وقد ركز على:
– أمراض القلوب.
– الإخلاص.
– المراقبة.
– المحاسبة.
(الغزالي، إحياء علوم الدين).
التزكية عند الشاطبي: ربط أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله بين العبادة والمقاصد.
فكل عبادة لا تحقق أثرها الإصلاحي تحتاج إلى مراجعة في فهمها أو ممارستها (الموافقات).
التزكية عند علماء المغرب:
تميز النموذج المغربي بربط:
– العقيدة الأشعرية.
– الفقه المالكي.
‘ التصوف السني الجنيدي.
وقد برز ذلك عند:
– أحمد زروق.
– أبو مدين الغوث.
– عبد السلام بن مشيش.
يرحمهم الله جميعا..
حيث كانت التزكية مرتبطة بالعلم والالتزام الشرعي.
المبحث الرابع: الوظائف التربوية للروحية المقاصدية
1- بناء المعنى:
أحد أكبر أمراض العصر هو فقدان المعنى.
والإيمان يجيب عن أسئلة:
– من أنا؟
– لماذا خُلقت؟
– إلى أين المصير؟
2- بناء الضبط الذاتي:
التزكية تنمي:
– المراقبة.
– المحاسبة.
– إدارة الرغبات.
وهي مفاهيم تؤكدها الدراسات الحديثة في علم النفس الإيجابي والتنظيم الذاتي.
3- بناء الصلابة النفسية:
الذكر والدعاء والرضا والتوكل تساعد على:
– خفض القلق.
– تعزيز الأمل.
– تقوية المرونة النفسية.
قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
4- بناء الأخلاق:
الروحية الصحيحة تنتج:
– الصدق.
– الأمانة.
– الرحمة.
– التواضع.
– العدل.
المبحث الخامس: الوظائف الاجتماعية للروحية المقاصدية
أولاً: صناعة الإنسان النافع:
قال ﷺ: «خير الناس أنفعهم للناس» (حسنه عدد من أهل العلم).
فالروحانية الإسلامية ليست هروبًا من المجتمع.
ثانياً: تعزيز التماسك الاجتماعي:
التزكية الحقيقية تنتج:
– الرحمة.
– العفو.
– الإصلاح.
– التعاون.
ثالثاً: مواجهة الفردانية المعاصرة:
الروحية المقاصدية تعيد بناء:
– الأسرة.
– الجوار.
– التضامن.
– المسؤولية الاجتماعية.
المبحث السادس: الانحرافات الصوفية المعاصرة
ليس كل ما يُنسب إلى التصوف يمثل التصوف السني.
فقد ظهرت عدة انحرافات تحتاج إلى دراسة نقدية.
1- التصوف الانعزالي:
يقوم على:
– الهروب من الواقع.
– ترك الإصلاح المجتمعي.
– السلبية الحضارية.
وهذا مخالف لهدي النبي ﷺ.
3- التصوف التجاري:
تحويل الروحانية إلى:
– سلعة.
– دورات استهلاكية.
– استغلال لحاجات الناس النفسية.
4- التصوف الباطني:
القائم على:
– إسقاط التكاليف.
– تأويل النصوص بغير ضوابط.
– ادعاء المعرفة الخاصة.
وقد حذر العلماء من ذلك قديمًا وحديثًا.
المبحث السابع: معايير التمييز بين التزكية الأصيلة والانحراف
يمكن اعتماد المعايير الآتية:
المعيار الأول: موافقة الكتاب والسنة:
قال الجنيد: “كل طريق لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل.”..
المعيار الثاني: حفظ المقاصد الشرعية:
الروحانية الصحيحة تحقق:
– الدين.
– النفس.
– العقل.
– المال.
– العرض.
المعيار الثالث: الثمرة الأخلاقية:
قال ﷺ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق».
المعيار الرابع: الإيجابية الحضارية:
فكل روحانية تعطل:
– العلم.
– العمل.
– الإصلاح.
– المسؤولية.
تحتاج إلى مراجعة.
المبحث الثامن: نحو مشروع معاصر للروحية المقاصدية
أولاً: تجديد التربية الإيمانية:
من خلال:
– حلقات القرآن.
– التربية على الذكر.
– التربية على التدبر.
ثانياً: دمج علوم النفس والتزكية:
بناء نماذج علاجية تجمع بين:
– المعرفة النفسية الحديثة.
– الهدي القرآني.
– التربية الإيمانية.
ثالثاً: بناء خطاب روحي للشباب:
يعالج:
– القلق.
– الإدمان.
– الفراغ الوجودي.
– أزمة الهوية.
رابعاً: إحياء التصوف السني المقاصدي:
القائم على:
– العلم.
– العمل.
– الإخلاص.
– الأخلاق.
– خدمة الخلق.
نتائج:
* الروحية المقاصدية تمثل أحد أهم مداخل الإصلاح في العصر الحديث.
* التزكية في الإسلام مشروع حضاري شامل وليست تجربة فردية منعزلة.
* الفكر الإسلامي يمتلك ثروة كبيرة في مجال التربية القلبية والتزكية.
* بعض الممارسات الصوفية المعاصرة ابتعدت عن الأصول الشرعية والمقاصدية.
* الحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب الروحي على أساس القرآن والسنة والمقاصد.
* التكامل بين التزكية والعلوم الإنسانية الحديثة يفتح آفاقًا جديدة للإصلاح النفسي والاجتماعي.
خاتمة: إن الروحية المقاصدية ليست دعوة إلى التصوف المنعزل، ولا إلى التدين الشكلي، ولا إلى التجارب الروحية المنفصلة عن الوحي، وإنما هي مشروع قرآني نبوي لإعادة بناء الإنسان من الداخل حتى يصبح أكثر إيمانًا واتزانًا ورحمة وفاعلية في الحياة.
فالغاية ليست مجرد الوصول إلى “أحوال روحية” عابرة، بل الوصول إلى إنسان رباني يعبد الله على بصيرة، ويعمر الأرض على هدى، ويخدم الخلق بمحبة، ويحقق مقاصد الاستخلاف والشهود الحضاري، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.. (القصص: 77).
وهذه هي *الروحية التي تجمع بين نور الوحي، وصفاء القلب، وعمارة الأرض، وتحقق التوازن بين التزكية الفردية والإصلاح المجتمعي، وبين الأصالة الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر*.
الدكتور عبد الرحيم بن علال أشن