اليقظة الاستباقية درع الوطن في مواجهة الإختراق الإرهابي
الميزان/ أكادير: الدكتور الحسين بكار السباعي*
تأتي العملية الأمنية النوعية التي قادها المكتب المركزي للأبحاث القضائية اليوم 06 يوليوز 2026، و بتنسيق وثيق ومحكم مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، لتؤكد من جديد أن المقاربة الأمنية المغربية في مجال مكافحة الإرهاب ليست مجرد ردود أفعال تقليدية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على العقيدة الإستباقية والجاهزية العالية. إن إحباط هذا المخطط الإرهابي الذي بلغ مراحل متقدمة من التحضير والإعداد، يمثل قراءة ميدانية لمدى فعالية التنسيق الإستخباراتي والقدرة الكبيرة على تفكيك التهديدات قبل تحولها إلى واقع ملموس يعصف بالامن والسلم العامين ويمس بسلامة ممتلكات المواطنين وأرواح.
لقد حملت عملية اليوم المشهودة في تفاصيلها الجغرافية والزمنية الدقيقة دلالات أمنية وإستراتيجية بالغة الأهمية، فالطبيعة المتزامنة للاعتقالات والتدخلات التي طالت مدن متباعدة كأكادير وتارودانت والدار البيضاء والحاجب وتطوان والفقيه بن صالح وأسفي، تعكس القدرة العملياتية الفائقة للقوات الخاصة والضباط الميدانيين على إدارة خيوط عملياتية معقدة ومتشعبة في وقت واحد. هذا التمدد الجغرافي للخلية الموقوفة يشير بوضوح إلى وعي الأجهزة الأمنية المغربية بأن الشبكات الإرهابية تحاول نقل إستراتيجيات التخفي المرن إلى الحواضر المتوسطة والصغيرة إلى جانب المدن الكبرى لتضليل وتمويه كل رصد لتحرك عناصرها، وهو رهان تبدد أمام دقة وشمولية التحريات الميدانية التي سهرت عليها وحداث عالية التدريب تابعة للمكتب المركزي للأبحاث القضائية معززة بضباط وعناصر من فرق محلية وجهوية للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
ومن منظور أمني إستشرافي فإن هذا الإنجاز الإستباقي سلط الضوء على الطبيعة المتطورة للتحديات التي تواجه بلادنا، إذ يعكس ارتباط هذه الخلية بفرع تنظيم “داعش” في منطقة الساحل الإفريقي تحول نوعي في بنية المخاطر الإقليمية. لقد أصبحت منطقة الساحل بؤرة جاذبة ومصدرة لعدم الاستقرار، وتكامل اللوجيستيك والدعم العملياتي بين خلايا الداخل وهذا الإمتداد الخارجي يؤكد أن الأجهزة الأمنية المغربية تقرأ المشهد الجيوسياسي الإقليمي بذكاء كبير، وتدرك أن حماية الأمن القومي تبدأ من قراءة التحولات خارج الحدود وتجفيف منابعها قبل تسللها إلى العمق الوطني.
ختاما، إن هذه القراءة الاستباقية الفعالة لا توفر فقط الحماية المباشرة للمواطنين، بل ترسخ مكانة المغرب كشريك دولي موثوق وصمام أمان للإستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي. وتثبت هذه الدينامية الأمنية أن اليقظة المستمرة، القائمة على التحديث التكنولوجي وتأهيل العنصر البشري والاستخباراتي تظل الحصن المنيع الذي تتهشم عليه الأجندات المتطرفة، واعدة بمستقبل دائم تنعن فيه المملكة بهواء الأمن و الأمان وسط محيط إقليمي مضطرب.
* د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.