التنشئة / خاطرة
الميزان/ الدار البيضاء: الدكتور سعيد الناوي
لن أستغرق وقتا طويلا لأدلل لك معنى “التنشئة”، وأشرحها لك، لأنه بمقدورك وحدك، أن تعرف معناها، وتدرك في النهاية أنها القالب الذي يوضع فيه الفرد، وأن صناعة القالب ييبتدأ منذ اللحظة الأولى التي تمسك بك يد الممرضة أو الطبية لتقلبك رأسا على عقب، وهذا مطلوب.
ثم تستمر إلى أن تقضي،
فيصبح القالب أنموذجا خاصا بك، وكل الناس قالب مصنوع
وهذا أمر عادي، محسوس،
تجعل كل واحد منا مختلفا عن غيره، مع وجود بعض التشابه مع الآخرين في أشياء دون أشياء.
ولكنه لا نستطيع أن نكون إلا ذلك القالب الذي تمت صناعته لكل واحد منا، لا يحيد عنه .
لقد وضعه مؤثرون عديدون منهم “المسيد” أي الكتاب القرآني الذي كان يتردد عليه بعضنا دون البعض الجديد،
حينما كان صغيرا، يركن إلى حفظ الحمدلة وقصار السور وقد يجتهد ليحفظ وهنيئا له بما حفظ وخزن.
والمدرسة التي ارتداها إن كان قد دخل المدرسة، وكذا كل الأقسام التعليمية مهما اختلفت .
والوالدلن
والجيران
والأصدقاء وكل مؤثر آخر.. هو مساهم في خلق القالب الذي يصبح سرادقا لكل فرد منا،
ولهذا فنحن مختلفون مع وجود بعض أوجه الشبه التي قد يتسبب في توزيعها على كل الناس: الدين أو التمدرس أو العمل وطبيعته…
لن أزيد في بيان التنشئة أكثر،
لانني لا أريد أن أدعوك لتبحث في كتب الفقه وعلم الاجتماع أو الفلسفة عن معنى الكلمة .
ولأنني أريد أن أدعوك لتحضر حفلا أسميه تجاوزا حفل قراءة بعض العروض العلمية المكتوبة عن فقيه مات،
أو قراءة في كتاب قديم
ولا إشكال في”إنجاب شيء عقيم”،!، لا يسمن ولا يغني من علم… المهم أن تنظر إلى أغلب الحاضرين وجلهم يلبس كالآخر جلبابا مغربيا وكم هو جميل لباسنا وأقسم بالله على جماله.
وبعض الرؤوس مغطاة بطريوشنا الأحمر وكم هو قان و”مهضوم”.
ولو سألوني لشجعتهم على ارتدائه في مناسبته!
ولا ضير،
ولكن ليس لحد أن يلبس أغلبنا الجلاليب في غير مناسبة
ولو أنه لا يهمني !!
المهم ليس في مشهد الطرابيش
ولا الجلاليب،
ولكن في نظرتهم إليك ببذلتك العصرية دون أن تعصر عنقك بربطة عنق لأن الجو حر!
آه لو زدتها ربطة عنق لكنت شيوعيا أكثر من ماركس ولينين!
ولو زدتها شيئا لكنت شيوعيا كافرا ورأسماليا مشركا !!
المهم أنك كل شيء آخر وجب قمعه، بعد أن يتأكدوا أنك سهل “تقشيرك””، وإلا فهي مجرد ابتسامة تنتظر منك زلة!!
صحيح أن الاختلاف رحمة.
وصحيح أنك مختلف، كما أنهم مختلفون.
فأنت لست أنا.
ونحن الإثنين لا نسير نفس الخطوات، طالما أن مقاسك إثنان وأربعون والآخر أقل أو أكبر.. وأن خطواتك سريعة،
ومتباعدة ،
والآخر لابد أنه متثاقل،
وليس ذلك إلا لأننا مختلفون بسبب اختلاف التنشئة!
الأهم أن يبقى الأمر حبيس المشاعر المتباعدة .
وحتى لو كانت متنافرة لأنك مختلف.
وأهم ما في المهم أن لا يعتقد ذو الجلباب والطربوش أنه يملك الحقيقة، وأنا أعرف أنه مجرد صندوق لا شيء فيه .
فكم حدث أن رفعوا الطربوش عن الصندوق !
فعلموا أنه فارغ حتى تعجبوا !
أما أنا فقد كنت أعلم بفراغه
وأن الفارغ يضع الطربوش ليستر الفراغ.
وكم حدث أن ردد الطربوش بعض ما يحفظ دون فهم لأنه طربوش!
وكم حدث أن هاجم الطربوش الأسياد لأنه طربوش!
وكم حملق الطربوش فوق الرؤوس لعله يجد طربوشا يشبهه فرجع مكتئبا ينتظر زلتك!
سعيد الناوي غفر الله له وتجاوز عنه