السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

من التكليف إلى الأثر: الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري بين بوصلة التوجيه الملكي وميزان المواطن/ قراءة استشرافية في مسؤوليات المرحلة المقبلة

الميزان/ آسفي: الدكتور عادل يالي

almizan.ma

من التكليف إلى الأثر: الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري بين بوصلة التوجيه الملكي وميزان المواطن/ قراءة استشرافية في مسؤوليات المرحلة المقبلة
الميزان/ آسفي: الدكتور عادل يالي*
ليست الحكومات مجرد تركيبات سياسية تتبدل أسماؤها وحقائبها بتغير الاستحقاقات الانتخابية؛ فقيمتها الحقيقية تبدأ بعد انحسار ضجيج التشكيل، حين تتحول البرامج إلى قرارات، والقرارات إلى سياسات، والسياسات إلى أثر يلمسه المواطن في حياته اليومية.
ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب المرحلة التي افتتحها تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة دلالتها. ففي 29 شتنبر 2026، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. وبذلك انتقل النقاش السياسي من مرحلة الانتخابات إلى مرحلة بناء الأغلبية وصياغة البرنامج الذي ستتحمل الحكومة، بعد اكتمال تشكيلها وتنصيبها دستوريا، مسؤولية تنفيذه.
ولا تأتي هذه الحكومة في فراغ سياسي أو تنموي. فقد سبق خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2026 أن حدد بوضوح أفق المرحلة المقبلة، عندما ربط ما تحقق من مكاسب اقتصادية واجتماعية بتراكمات ممتدة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، ثم عبّر عن التطلع، بعد الانتخابات وانبثاق حكومة جديدة، إلى إطلاق دورة جديدة في المسار التنموي عنوانها تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.
ومن هنا تنشأ أولى المعادلات التي ستواجه الحكومة المرتقبة: كيف تجمع بين استمرارية الدولة وتجدد المسؤولية الحكومية؟
فالاستمرارية لا تعني إدارة الموجود كما هو، كما أن التجديد لا يستلزم البدء في كل ولاية من نقطة الصفر. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة يمكن تسميتها «القيمة المضافة الحكومية»: ما الذي ستسرعه الحكومة؟ وما الذي ستصححه؟ وما الأولويات التي ستعيد ترتيبها؟ وكيف ستدبر الموارد؟ وما النتائج القابلة للقياس التي ستضيفها إلى مسار تنموي قائم؟
وقد التقطت القراءة السابقة لخطاب العرش هذه الدلالة بدقة، حين ميزت بين استمرارية الاختيارات الاستراتيجية وبين مسؤولية كل حكومة عن سرعة الإنجاز وجودته وترتيب الأولويات وتحقيق النتائج.
وهكذا فإن السؤال الذي يهم المواطن، بعد استكمال هندسة الأغلبية وتوزيع الحقائب، لن يكون فقط: من دخل الحكومة ومن غادرها؟ بل سيصبح بصورة متزايدة: ماذا ستغير هذه الحكومة في شروط العيش والعمل والخدمة العمومية وفي قدرة المواطن على بناء مستقبله؟
وهنا يصبح المواطن، لا الخطاب السياسي، المعيار الأكثر وضوحا للأثر.
فالاقتصاد يمكن أن يحقق نسب نمو إيجابية، ويمكن للصادرات والاستثمارات أن تتوسع، ويمكن للصناعة أن تنتقل إلى مستويات أعلى من التعقيد والتكنولوجيا؛ غير أن هذه المؤشرات تظل، في منظور السياسة العمومية، في حاجة إلى ترجمتها إلى نتائج اجتماعية محسوسة.
وقد وضع خطاب العرش لسنة 2026 هذا الترابط في صلب رؤيته؛ إذ جمع بين تعزيز الصعود الاقتصادي والسيادة الوطنية، وبين تحسين ظروف عيش المغاربة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وشدد على التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة بما يشمل مختلف المناطق والجهات.
ومن ثم، سيكون أحد أهم اختبارات الحكومة المقبلة قدرتها على تحويل النمو إلى أثر.
فالمواطن لا يعيش معدل النمو في صيغته الإحصائية، وإنما يختبره بطريقة مختلفة: من خلال فرصة العمل، واستقرار الدخل، وجودة المدرسة، وإمكانية الولوج إلى العلاج، وكلفة السكن والنقل، وفعالية الإدارة، وقدرته على الاستفادة من فرص الارتقاء الاجتماعي.
ولهذا فإن السؤال التنموي الحقيقي لا يقف عند حدود: كم نما الاقتصاد؟ بل يمتد إلى: كيف توزعت آثار هذا النمو، ومن استفاد منها، وإلى أي مدى انتقلت من المؤشرات الكلية إلى الواقع المعيش؟
وفي هذا المستوى تحديدا تبرز العدالة المجالية باعتبارها أحد أكبر رهانات المرحلة.
فالنجاح الوطني الإجمالي قد يخفي تفاوتات مهمة بين المجالات. وقد تجذب بعض الأقطاب الكبرى استثمارات نوعية وفرصا واسعة، بينما تحتاج مدن متوسطة ومناطق قروية وجبلية إلى تسريع اللحاق في التجهيز والخدمات وفرص الاستثمار.
والعدالة المجالية لا تعني توزيعا حسابيا متساويا للمشاريع بين كل الجهات، وإنما تعني أن تكون السياسات العمومية قادرة على ضمان حد متقارب ومعقول من فرص التعليم والصحة والنقل والاتصال والاستثمار والارتقاء، مع مراعاة حاجات كل مجال وإمكاناته.
وعلى هذا الأساس يمكن فهم تأكيد الخطاب الملكي على التنمية الترابية المندمجة: فالمجال لا ينبغي التعامل معه باعتباره تجميعا لمشاريع قطاعية منفصلة، بل باعتباره وحدة تتفاعل داخلها المدرسة والمستشفى والطريق والماء والطاقة والتكوين والاستثمار وفرص الشغل.
ومن هنا ستكون الحكومة المقبلة أمام امتحان آخر: الانتقال من حكومة القطاعات إلى حكومة الالتقائية.
فحياة المواطن لا تنتظم وفق حدود الاختصاصات الوزارية.
البطالة ليست ملف وزارة واحدة. والهدر المدرسي لا تعالجه المدرسة وحدها. ومشكلة السكن تتقاطع فيها السياسة العقارية والنقل والتمويل والتخطيط الحضري. والماء يرتبط بالفلاحة والتعمير والاستثمار والمناخ. أما التصنيع فيحتاج إلى الطاقة واللوجستيك والتمويل والتكوين والبحث العلمي والإدارة في آن واحد.
لذلك فإن جودة الأداء الحكومي لن تتوقف فقط على كفاءة كل وزير داخل قطاعه، بل كذلك على قدرة رئيسة الحكومة والفريق الحكومي على جعل السياسات المختلفة تلتقي حول نتائج مشتركة.
وبعبارة أخرى، فإن أحد معايير النجاعة في المرحلة المقبلة سيكون مقدار الانتقال من سؤال: «ماذا أنجزت هذه الوزارة؟» إلى سؤال أوسع: «ماذا حققت الحكومة مجتمعة في هذا الملف؟»
ويمكن أن يظهر هذا التحول بوضوح في ملف التشغيل.
فالشغل ليس مجرد مؤشر اقتصادي؛ بل هو أحد أهم الجسور بين النمو والاستقرار الاجتماعي والكرامة الفردية. والمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة موقعا صناعيا متقدما في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والبطاريات الكهربائية، وهي مجالات أبرزها خطاب العرش ضمن مكونات التحول الاقتصادي وتقوية السيادة الوطنية.
غير أن الرهان في المرحلة المقبلة يتجاوز استقطاب مصانع واستثمارات جديدة إلى تعظيم أثرها الوطني: تكوين الكفاءات المغربية، ورفع نسب الاندماج المحلي، وتطوير البحث والابتكار، وربط الجامعة والتكوين المهني بالمهن الجديدة، وتمكين المقاولات المغربية من الاندماج في سلاسل القيمة.
فالقوة الصناعية لا تقاس فقط بعدد الوحدات المنتجة داخل التراب الوطني، وإنما كذلك بحجم المعرفة والكفاءة والتكنولوجيا والقيمة التي تبقى داخله.
وهنا يظهر سؤال استراتيجي ينبغي أن يحضر في البرنامج الحكومي المقبل: كيف ينتقل المغرب تدريجيا من استضافة الصناعة إلى تعميق امتلاكه لمكوناتها المعرفية والتكنولوجية؟
ويرتبط بهذا الرهان وضع المقاولة الصغيرة والمتوسطة.
فلا يمكن للصعود الاقتصادي أن يكون واسع الأثر إذا بقي محصورا في عدد من الاستثمارات الكبرى، بينما تجد المقاولات الصغيرة صعوبة في التمويل والمواكبة والولوج إلى الأسواق.
وقد أعطى خطاب العرش لهذا الملف مكانة واضحة حين دعا القطاع المالي إلى إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والابتكار والتصنيع والتصدير، بالتوازي مع تعبئة أفضل للادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.
والرسالة هنا تتجاوز الجانب المصرفي.
فالتمويل يحدد، في جانب منه، طبيعة الاقتصاد الذي سيولد في المستقبل. فإذا اتجهت الموارد أساسا إلى الأنشطة التقليدية أو الأسرع مردودية والأقل مخاطرة، فقد تجد الصناعات الجديدة والمقاولات المبتكرة صعوبة في النمو. أما عندما تتنوع أدوات التمويل وتصبح أكثر قدرة على مواكبة الابتكار والاستثمار المنتج، فإن المنظومة المالية تتحول إلى شريك في التحول الاقتصادي.
وفي المقابل، لا يمكن للمواطن أن ينتظر ثمار الاقتصاد وحده؛ فالمدرسة والمستشفى والإدارة تظل أكثر المؤسسات التصاقا بحياته اليومية.
ومن هنا تطرح المرحلة المقبلة ضرورة الانتقال من ثقافة الوسائل إلى ثقافة النتائج.
فارتفاع الاعتمادات المرصودة للتعليم مهم، لكن المعيار النهائي يظل مقدار ما يتعلمه التلميذ ومدى تراجع الفوارق في فرص التعلم.
وتوسيع الحماية الصحية مكسب مؤسساتي، غير أن قيمته بالنسبة إلى المواطن تكتمل عندما يجد الطبيب والدواء والتجهيز والموعد في آجال معقولة.
أما الإدارة، فلا تقاس جودة تحولها الرقمي بعدد المنصات التي أحدثتها فقط، وإنما بمقدار الوقت والوثائق والتنقلات التي وفرتها على المواطن والمقاولة.
وهذا المنطق ينسجم مع ما ورد في خطاب العرش عن المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء والتطلع إلى المستقبل بوصفها عناصر في منهج العمل. فالسياسة العمومية التي تخضع للتتبع والتقييم تصبح أكثر قدرة على اكتشاف التعثر وتصحيح المسار.
وهنا تبرز مسألة قد تكون من أكثر المسائل حساسية بالنسبة إلى أي حكومة جديدة: الثقة.
فالثقة لا تنتج من الإعلان وحده، وإنما من انتظام العلاقة بين الوعد والإنجاز.
ويستطيع المواطن أن يتفهم أن الإصلاحات الكبرى تحتاج إلى الوقت والتمويل والتدرج، لكنه يحتاج في المقابل إلى وضوح في تحديد الأهداف، وشفافية في عرض النتائج، وصدق في تفسير أسباب التعثر.
ومن ثم، فإن التواصل الحكومي الأكثر نضجا ليس ذلك الذي يجعل كل إجراء «إنجازا تاريخيا»، ولا ذلك الذي يغرق الفضاء العام في الأرقام دون سياق؛ بل التواصل الذي يميز بين ما أُعلن وما نُفذ، وبين ما نُفذ وما أحدث أثرا بالفعل.
ومن شأن هذا التحول أن يعيد للمحاسبة السياسية معناها.
فالدستور واضح في هذا الباب: بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يعرض رئيس الحكومة البرنامج الذي يعتزم تطبيقه أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويكون موضوع مناقشة يعقبها تصويت في مجلس النواب، ولا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة المجلس بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم. كما ينص الفصل 89 على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ برنامجها وضمان تنفيذ القوانين.
وهذا يعني أن البرنامج الحكومي ليس مجرد وثيقة سياسية افتتاحية، بل هو المرجع الذي يفترض أن تنتظم حوله مسؤولية الحكومة.
ومن المفيد، من زاوية الحكامة والمساءلة، أن تكون التزامات البرنامج قابلة للقياس قدر الإمكان: أهداف واضحة، وآجال تقريبية، ومؤشرات للنتيجة والأثر، حتى يصبح من الممكن لاحقا التمييز بين ما تحقق وما تعثر، وتحديد أسباب التعثر والمسؤوليات المرتبطة به.
وهذا لا يعني اختزال العمل الحكومي في الأرقام؛ فالسياسات العمومية أكثر تعقيدا من ذلك. لكنه يعني الانتقال من الوعود الفضفاضة إلى تعاقد سياسي يمكن تقييمه.
إن الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري ستتحمل، بعد اكتمال تشكيلها وتنصيبها، مسؤوليتها في لحظة تجمع بين تراكمات تنموية مهمة وبين تحديات اجتماعية واقتصادية وترابية متواصلة.
ولذلك فإن قيمة المرحلة لن تحددها الأسماء وحدها، مهما كان وزنها السياسي أو التقني، وإنما سيحددها مقدار الانسجام بين أعضاء الحكومة، ووضوح الأولويات، ونجاعة التنفيذ، والقدرة على تصحيح الاختلالات، وقبل كل ذلك الأثر الذي يصل إلى حياة المواطن.
وهنا يمكن العودة إلى إحدى أهم الخلاصات التي تسمح بها قراءة خطاب العرش لسنة 2026: إن عناصر القوة الوطنية لا تعمل منفصلة؛ فالاستقرار يوفر الثقة، والثقة تدعم الاستثمار، والاستثمار يقوي الإنتاج، والإنتاج يعزز القدرة والسيادة، بينما تمنح العدالة الاجتماعية والمجالية لهذا المسار غايته الإنسانية والوطنية.
ومن ثم، فإن المسؤولية التي تنتظر الحكومة الجديدة ليست صناعة مشروع دولة جديد في كل ولاية، ولا الاكتفاء أيضا بإدارة ما راكمته الدولة.
المسؤولية الأدق هي تحويل التراكم إلى أثر، والاستراتيجية إلى تنفيذ، والنمو إلى فرص، والحماية الاجتماعية إلى خدمة ذات جودة، والاستثمار إلى شغل وقيمة مضافة، والاستقرار إلى ثقة متجددة في المؤسسات.
وفي نهاية المطاف، قد يكون السؤال الأبسط هو الأكثر صرامة عند تقييم أي تجربة حكومية:
ما الذي أصبح أفضل فعليا في حياة المواطن؟
فإذا ظل هذا السؤال حاضرا عند صياغة البرنامج، وعند ترتيب الميزانية، وعند اتخاذ القرار، وعند تقييم النتائج، فإن المواطن لن يكون مجرد مستفيد في نهاية سلسلة السياسات العمومية، بل سيكون معيارها منذ البداية.
وهنا تحديدا تنتقل الحكومة من منطق التكليف إلى مسؤولية الأثر.
* الدكتور عادل يالي
باحث في العلوم القانونية والسياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى