بن أحمد .. أقدم البلديات في المغرب تعيش بزمن السبعينات، فما السر؟
الميزان/ ابن احمد: ذ.المصطفى قصاب
تعتبر الجماعة الحضرية بن أحمد، التابعة لإقليم سطات جهة الدار البيضاء سطات، من أقدم الجماعات الترابية على الصعيد الوطني. تأسست النواة الأولى لها كقصبة عسكرية بين 1875 و1880 بأمر من السلطان المولى الحسن الأول لحماية قبائل امزاب من الأطماع الأجنبية، بعد أن فشل تاجر فرنسي يهودي سنة 1865 في اختراق المنطقة المغلقة.
سميت القصبة باسم القائد بن أحمد، وأصبحت مركزا تجاريا وزراعيا مهما في الشاوية، قبل أن يحتلها الفرنسيون سنة 1908 ويحولوها إلى مركز إداري وعسكري. وفي 1915 مد بها خط سكة حديد يربطها بوادي زم، قبل أن يتم تحويله بعيدا عنها، في قرار يعتبره المؤرخون أول ضربة تنموية قاصمة للمدينة.
ورغم هذا التاريخ العريق، وعدد سكان يناهز 32.528 نسمة حسب إحصاء 2014، وموقع استراتيجي على بعد 39 كلم من برشيد وخريبكة و70 كلم عن الدار البيضاء، فإن الزائر للمدينة اليوم يخال نفسه في سبعينات القرن الماضي. فما هي الأسباب؟
أولا: الصراع السياسي المزمن.. شد الحبل بين الأغلبية والمعارضة
كل التقارير المحلية واللقاءات التواصلية، آخرها لقاء 16 يونيو 2010 الذي جمع والي الشاوية ورديغة وعامل سطات بالمجلس البلدي، أكدت نفس الخلاصة: مطلوب تفعيل الحكامة وتجاوز الصراعات السياسوية الضيقة.
مصدر من المجتمع المدني يقول لجريدتنا: منذ الانتخابات الأخيرة، المجلس يعيش حالة غموض وضبابية. انشقاقات وخلافات شخصية ضحيتها المواطن الحمداوي المغلوب على أمره. وعود انتخابية تبخرت. نفس ما أكده تقرير صحفي سنة 2023: الجماعة من أقدم الجماعات لكن هذا التاريخ لم يشفع لها أن تأخذ نصيبها من التنمية بسبب تضارب مصالح بعض النافذين والمتنفذين الذين سيطروا على هذه الجماعة.
ثانيا: البنية التحتية المتآكلة
في اللقاء نفسه، أثار العضو الجماعي جملة من الاختلالات التي مازالت قائمة إلى اليوم:
– تطهير سائل ونظافة متدهورتان: أحياء كاملة بدون صرف صحي عصري، وانتشار الأزبال.
– طرق كأيام الأجداد: أحياء مثل حي الرجاء والقصبة وحي السلامة ودرب الحاج التاغي لم تعرف الإصلاح منذ عقود.
– فوضى السير والجولان: غياب التشوير وتنظيم سيارات الأجرة والدراجات.
– التلكؤ في منح التراخيص: دون تعليل قانوني، مما يعطل الاستثمار الصغير.
انقطاع الماء و الكهرباء بدون سابق انذار او سبب معقول.
الوالي آنذاك وصف المدينة صراحة: مدينة تاريخية وعريقة تعيش وضعية جد صعبة حيث مظاهر التخلف تميز كل ميادينها خاصة النظافة.
ثالثا: ضياع الفرص التاريخية
1. السكة الحديدية: تحويل خط 1915 أفقد المدينة دورها كمحطة لوجستية بين الشاوية ووادي زم.
2. الحي الصناعي الوهمي: منذ 2010 والمسؤولون يتحدثون عن حي صناعي لعاصمة امزاب، لكنه لم ير النور. بن أحمد اليوم بدون منطقة صناعية حقيقية،بسبب ابتزاز المستثمرين و تعقيد مسطرة الترخيص. عكس برشيد وسطات.
3. التهميش في برنامج التنمية الجهوية: في دورة أكتوبر 2026 لمجلس جهة الدار البيضاء سطات، تمت برمجة 515 اتفاقية بـ 92 مليار درهم، لكن نصيب بن أحمد منها لا يتجاوز مشاريع طرقية صغيرة، في حين ذهبت المشاريع الكبرى (تحلية المياه، المناطق الصناعية بـ 2373 هكتار، منصة النفايات بـ 14 مليار) إلى برشيد والدار البيضاء وبنسليمان.
رابعا: غياب اقتصاد بديل
رغم كونها عاصمة امزاب ومركزا فلاحيا بامتياز، لم يتم تثمين المنتوج الفلاحي. لا سوق جملة عصري، لا وحدات تبريد، لا تعاونيات قوية. الشباب يهاجر إلى خريبكة والدار البيضاء. المستشفى الإقليمي موجود لكنه يفتقر للتخصصات، والمستوصفات لا تكفي.
الخلاصة: ليست قدرا بل سوء تدبير بن أحمد ليست فقيرة بالموارد، بل فقيرة بالحكامة. مدينة بتاريخ 150 سنة، بلقب عاصمة امزاب والعلوة. بمؤهلات فلاحية وبشرية، تدار بعقلية السبعينات.
السر الحقيقي كما يقول أحد الفاعلين: لا شيء تغير بين الماضي والحاضر. نفس العقلية، نفس الصراعات. إلى أن يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة وتفعيل شرطة إدارية حقيقية، وفتح ملف الحي الصناعي والنظافة كمدخل أساسي للتنمية كما أوصى لقاء 2010، ستبقى بن أحمد متحفا مفتوحا للتهميش.