سيدي رحال الشاطئ.. جماعة غنية بمواردها فقيرة بخدماتها، أين تذهب الملايير؟
الميزان/ برشيد: ذ.المصطفى قصاب
*سيدي رحال الشاطئ – إقليم برشيد*
مفارقة غريبة تعيشها جماعة سيدي رحال الشاطئ، الجماعة الساحلية التي تبعد 30 كيلومترا فقط عن الدار البيضاء. جماعة تصنف ضمن أغنى الجماعات في المغرب من حيث المداخيل، لكنها في نفس الوقت تصنف ضمن الأكثر تهميشا من حيث الخدمات الأساسية. موارد بالملايير، وساكنة تعيش بدون ماء ولا طرق ولا مستوصف يليق.
أهالي سيدي رحال يطرحون اليوم سؤالا واحدا بمرارة: أين تذهب أموالنا؟
مداخيل خيالية.. ميزانية تفوق مدن كبرى..
حسب وثائق رسمية من قسم الجبايات، فإن مداخيل جماعة سيدي رحال الشاطئ تجاوزت 14 مليار سنتيم سنويا، وهو رقم لا تحققه حتى مدن مثل برشيد وسطات.
من أين تأتي هذه الثروة؟
1. رسم السكن والخدمات الجماعية: أكثر من 6000 فيلا وشقة ثانوية يملكها أغنياء الدار البيضاء، كلها تؤدي ضرائب سنوية.
2. رخص البناء والتجزئات: سيدي رحال تعرف طفرة عمرانية غير مسبوقة، أكثر من 15 تجزئة كبرى، سعر الرخصة الواحدة يصل لـ 200 مليون سنتيم.
3. ضريبة الأراضي الحضرية غير المبنية: آلاف الهكتارات محفظة تنتظر البناء وتؤدي ضرائب باهظة.
4. مداخيل كراء السوق الأسبوعي والمجزرة ومقالع الرمال والمقالع البحرية.
5. الرسم على الإقامات السياحية والمطاعم والفنادق المصنفة.
ورغم كل هذه الملايير، فإن فائض الميزانية السنوي يبقى مجمدا في حساب الجماعة، لا يصرف.
ساكنة تعيش في العصور الوسطى..
تجولنا في أحياء سيدي رحال الشاطئ، الصورة صادمة ولا علاقة لها بجماعة غنية.
– في حي الشاطئ وحي الفتح: أزقة بدون تعبيد، حفر وبرك مائية في الشتاء، وغبار في الصيف. سيارات الأجرة ترفض الدخول.
– الإنارة العمومية: أكثر من 60% من الأعمدة معطلة منذ شهور، والساكنة تعيش في الظلام، مما شجع على السرقات والاعتداءات.
– الماء الصالح للشرب: رغم أن الجماعة محاطة بمحطة تحلية، فإن أحياء كاملة مثل دوار البحارة ودوار كريسطال تنقطع عنها المياه لأيام.
– الصحة: مستوصف واحد بطبيب واحد يأتي يومين في الأسبوع لخدمة 35 ألف نسمة. المرأة الحامل تضطر للذهاب لبرشيد أو الدار البيضاء لتضع مولودها.
– النظافة: شاحنة واحدة لجمع الأزبال، الأزبال تتراكم لأيام على شاطئ يفترض أنه سياحي، وروائح كريهة تزكم الأنوف في الصيف.
تقول الحاجة خديجة، من سكان دوار الحموزة: عندنا البحر والفيلات ب 400 مليون، وحنا ما عندناش حتى قناة للصرف الصحي، الواد الحار كيمشي للبحر قدام ولادنا.
مجلس جماعي يخدم المنعشين لا المواطنين
يتهم السكان والمجتمع المدني المجلس الجماعي الحالي بأنه يخدم مصالح المنعشين العقاريين الكبار فقط.
المجلس يصادق بسرعة البرق على تجزئات المنعشين، ويعبّد الطرق المؤدية لفيلاتهم، ويركّب الإنارة أمام مشاريعهم، بينما دواوير السكان الأصليين تعيش في الظلام، يقول فاعل جمعوي رفض ذكر اسمه خوفا من الانتقام.
والدليل، حسب نفس المصدر، أن ميزانية التجهيز لسنة 2023-2024 خصصت 80% منها لتهيئة كورنيش ومحج يخدم التجزئات السياحية، بينما لم تخصص إلا 5% لربط دواوير السكان بالماء والكهرباء.
أما المعارضة داخل المجلس، فتقول إن الرئيس يرفض عقد اجتماعات لجنة المالية بشكل دوري، ويرفض الكشف عن مصير فائض 9 مليارات سنتيم المودع في الخزينة العامة.
أين هي سلطة الوصاية؟
سكان سيدي رحال الشاطئ وجهوا شكايات عديدة لعامل إقليم برشيد ولوالي جهة الدار البيضاء-سطات، يطالبون فيها بإيفاد لجنة من المفتشية العامة لوزارة الداخلية للتدقيق في مالية الجماعة.
فكيف يعقل أن جماعة بمداخيل 14 مليارا، لا تتوفر على سيارة إسعاف مجهزة، ولا على شاحنات نظافة، ولا على ملعب قرب واحد في المستوى؟
وكيف يعقل أن يبقى شاطئ سيدي رحال، الذي كان في الثمانينات أنظف شاطئ في المغرب، يغرق اليوم في مياه الصرف الصحي والبلاستيك، دون أن تتدخل الجماعة بدرهم واحد لحمايته؟
سيدي رحال الشاطئ اليوم هي النموذج الصارخ لفشل العدالة المجالية: جماعة غنية تخدم الأغنياء القادمين من البيضاء لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وتفقر أبناءها الأصليين الذين لا يجدون حتى طريقا معبدة للوصول لمنازلهم.
فهل ستتحرك وزارة الداخلية لافتحاص هذه الجماعة الغنية الفقيرة، أم سيبقى شعار “الموارد لا تخدم الصالح العام” هو العنوان الأبدي لسيدي رحال الشاطئ؟