السياسيةالقانــونقضايا المجتمعمنوعات

…من جهلها… الدمار الشامل للثقافة والصحافة

الميزان/ الرباط: الدكتور محمد جودات

almizan.ma

…من جهلها…
الدمار الشامل للثقافة والصحافة الميزان/ الرباط: الدكتور محمد جودات
عندما كنا نمارس الصحافة نهاية الثمانينات وفي التسعينات كنا نعتقد أن البصري عدو الصحافة النزيهة وأن قصة البطاقة الصحفية وإقصاء الصحفيين الشباب وتكوين طبقة جديدة من الصحفيين ضدا على شيوخ الكتابة الذين تربوا في مدارس الحراك السياسي الجامعي في السبعينات ظلم كبير في حق الصحافة والثقافة أيضا لأن الصحفي كان مثقفا حقيقيا.
ولم نكن نتصور أن المغرب الذي مر من مراحل ديمقراطية سيفضي به الحال إلى بعد ما يقرب الثلاثين السنة إلى أسوأ وضع عبر تاريخه مع مؤسسات (غيز ليه) و(طحن مو) في زمن وزير ثقافة لا يعرف تحليل مفهوم الثقافة ويتحكم في تعيين مجلس للصحافة؛ ثم يخبر الرأي العام بعد فضيحة المهداوي أن المجلس مستقل.
فليس غريبا في زمن التفاهة أن تنطبق علينا المقولة الشعبية “واش من والا يتوالا”. فالرجل ليس بعيدا عن الثقافة والصحافة فحسب لأنه منشغل بمشروع السيارة الذكية التي لا يتسع المجال لذكر فضائحها.
إن الدمار الشامل الذي يعرفه قطاع الصحافة اليوم؛ هو الذي فتح المجال لصحافة كنا نسميها صحافة الرصيف في التسعينات ولكنها أشرف بكثير من صحافة الليل والدعارة التي لا أتصور أن أعين الرقابة لا تراها: وهي لا تمس صورة المغرب فقط؛ بل تبني مغربا افتراضيا صادما؛ يفتح المجال لكل التافهين ويسلمهم سلطة تسويق صورة المغرب. وفي المقابل يزج بالأقلام الرصينة التي تنتقد السياسات العمومية في السجون. بل إن أكبر نكتة يشهدها المغرب اليوم هي القوانين الجديدة التي تفرض الصمت وتمنع الكلام المباح في قدسية “السياسة”. هذا هو الدمار الشامل الذي عرفته الثقافة قبل الصحافة. والفرق بسيط بين المجالين؛ ففي الوقت الذي تستطيع الصحافة أن تنعي موتها؛ لم تتمكن الثقافة من ذلك لأنها اختنقت وكتمت أنفاسها ببطء: بإغراق مجالها بالتافهين الذين أصبحوا صوت الثقافة اليوم؛ عندما قدمتهم المؤسسات وجعلتهم روادها. فكما يعبر جاك ديريدا في وصفه المثقف الإعلامي فإن صحافة التفاهة بعد محو الصحافة الحقيقية؛ قدمت النموذج المثالي للمثقفين على مقاسها من الذين يدعون الصحفيين في حانات المدينة كل يوم. حتى شوهت الصحافة المشهد ورفعت أسماء دون أخرى؛ ومحت كل الأسماء الحقيقية من المشهد الإعلامي الذي دمر صورة المثقف. لتدور عليه دائرة الدمار الشامل.
فما أشبه اليوم بالأمس.
وتبقى الرداءة سيدة في زمن يقود فيه الثقافة والصحافة من يقود سيارة لم تنطلق. ولا غرابة؛ فقديما قيل: “من يصلح الملح إذا الملح فسد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى