فضول الحداثة على موائد النص: العدة بين سلطان الوحي وسؤال العقل
الميزان/ آسفي: الدكتور أحمد أزهر*
ليس من المستغرب أن تعاود بين الحين والآخر، أسئلةٌ تتصل بالأحكام الشرعية الثابتة، ولا أن يطل بعض الفاعلين السياسيين بمواقف يستمدون مسوغها النظري من المرجعيات العلمانية؛ فقد عرف النقاش العمومي المغربي في أطوار متعاقبة، تصريحات ومواقف من هذا القبيل. غير أن اللافت، بل الباعث على عميق التأمل، أن يصدر مثل هذا الخطاب عن شخصية ارتبطت بحزب ظل يعلن انتسابه إلى المرجعية الإسلامية، ويستحضر في أدبياته إرث رجال من طينة علال الفاسي ومحمد بوستة..
ومن ثم.. فإن وصف حكم العدة بأنه «فاقد للمعنى والمنطق» لا يمكن اختزاله في ملاحظة عابرة على جزئية فقهية، ولا تمريره بوصفه انطباعا شخصيا عارضا.. بل هو قول يقتضي أن يستقبل بالتفكيك الهادئ، وبميزان العلم وبصرامة الحجة، لا بضجيج الشتيمة ولا بعصبية الانتصار.
وأول ما يفرضه المقام ويستوجب تقريره بجلاء لا يداخله لبس، أن العدة في أصل تشريعها ليست ثمرة اجتهاد فقهي محض حتى يقال إن تبدل الأحوال أو تطور المعارف قد أذنا بإسقاطها؛ وإنما أصل وجوبها ثابت بالنص القرآني الصريح، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
وقد جرى الفقه الإسلامي عبر مدارسه ومذاهبه، على تقرير هذا الحكم، وتفصيل أحواله، وبيان مستثنياته، ومن ذلك عدة الحامل بوضع الحمل.
فالمقام، إذن.. ليس مقام حكم نشأ من عرف اجتماعي قابل للتبدل، ولا من تقدير بشري محض يملك كل عصر أن يعيد صياغته وفق أذواقه، بل مقام نص مؤسس لحكم شرعي تلقته الأمة بالقبول، وتناوله الفقهاء بالشرح والتفصيل.
ومن هذا المنطلق، يغدو التمييز، بصرامة منهجية، بين السؤال عن حكمة الحكم ومقاصده وآثاره، وبين جعل قابلية الحكمة للفهم العقلي شرطا في أصل الحكم نفسه، أمرا لا غنى عنه، فالأول باب من أبواب النظر المقاصدي المشروع، ومجال رحب للتدبر والاجتهاد المنضبط؛ أما الثاني فينقل النقاش من مجال الفقه إلى سؤال أصولي أعمق وأخطر: ما الذي يجعل النص الشرعي ملزما في ذاته؟ وإذا كان الحكم ثابتا بنص قطعي، فإن عجز بعض الناس عن استيعاب حكمته، أو تبدل بعض الوسائل العلمية التي كانت تكشف عن بعض علله، لا يساوي سقوط الحكم، ولا يقتضي نسخه، ولا يمنح العقل المعاصر سلطة إلغاء ما لم يثبت له حق إلغائه.
ثم إن اختزال العدة في مجرد استبراء الرحم اختزال يضيّق واسعا، ويحول البناء المركب للحكم إلى علة واحدة مفترضة.
فالفقهاء يذكرون من مقاصدها صيانة الأنساب، وإمهال بعض صور الفراق، وإتاحة مجال للمراجعة في مواضعها، ومراعاة معنى الوفاء في عدة الوفاة، وما يتصل بذلك من اعتبارات أسرية واجتماعية ونفسية وتشريعية. وقد عرضت المصادر الفقهية الرسمية هذه المعاني صراحة، فجعلت من مقاصد العدة الاحتياط للأنساب، وذكرت معنى الوفاء للزوج المتوفى، إلى جانب المقاصد المتصلة بالطلاق والرجعة. فكيف يستقيم بعد ذلك، أن تختزل منظومة بهذه السعة في وظيفة تقنية واحدة، ثم يبنى على انتفاء تلك الوظيفة، أو إمكان التحقق منها بوسائل أخرى، الحكم بانتفاء أصل التشريع؟!
وأما الاستناد إلى تحليل الحمض النووي ونحوه من منجزات الطب الحديث، فليس في ذاته جوابا عن السؤال الشرعي، ولا حجة فاصلة في مقام التشريع.. لأن العلم يصف الوقائع، ويطور وسائل الكشف عنها ويقيس الظواهر بآلاته الخاصة، أما التشريع فيبحث فوق ذلك، في الأحكام والحدود والمقاصد والمعاني، وفي انتظام الحياة الإنسانية ضمن منظومة من القيم والضوابط. ومن ثم لا يصح أن يقال: لما أمكن اليوم التحقق من الحمل أو النسب بوسائل تقنية دقيقة، فقد انتفى الحكم الشرعي الذي كان من حكمته صيانة الأنساب.
فهذا الاستدلال يجعل وسيلة من وسائل الكشف علة وحيدة للحكم، ثم يجعل سقوط الحاجة إلى الوسيلة سقوطا للحكم نفسه؛ وهو انتقال لا يستقيم إلا بعد إثبات أن تلك الوسيلة هي العلة المنحصرة، وأن الحكم يدور معها وجودا وعدما، وهو ما يحتاج إلى برهان أصولي معتبر، لا إلى مجرد دعوى تستند إلى الانطباع أو إلى بريق التقنية..!!
والأجدر بهذا المقام أن يبقى النقاش في رحاب الحجة، وأن تستعاد للمسألة شروطها العلمية: ما طبيعة الحكم؟ وما دلالة النص؟ وما الفرق بين الحكمة والعلة؟ وما حدود المقاصد؟ وما الذي يملك العقل أن يعيد النظر فيه، وما الذي لا يملك إلا أن يفهمه في ضوء أصول التشريع وقواعد الاستنباط؟ أما نقل المسألة من هذا المدار العلمي إلى لغة «المنطق» المجرد، فكثيرا ما يفضي إلى جعل الذوق الشخصي معيارا للنص، فيصبح ما ألفه المرء منطقيا، وما استعصى عليه فاقدا للمنطق؛ وتلك منزلة لا يصلح أن تقوم عليها مراجعة حكم شرعي ثابت، لأن المنطق حين ينفصل عن مقدماته المعرفية، يتحول من أداة للبرهنة إلى قناع للانطباع.
ويغدو السؤال أشد حساسية حين يصدر الخطاب عن شخصية سياسية تنتسب إلى حزب ذي تاريخ معلن في استحضار المرجعية الإسلامية. فالمسألة عندئذ لا تتعلق بموقف فردي معزول فحسب، بل تثير سؤالا سياسيا وفكريا مشروعا عن حدود العلاقة بين الخطاب الشخصي والمرجعية المعلنة للحزب: هل يمثل هذا القول اجتهادا شخصيا لا يلزم الحزب، أم يعكس تحولا في فهمه لمرجعيته، أم يكشف عن ازدواجية بين ما يرفع في الخطاب العام وما يستبطن في الممارسة السياسية؟ والسؤال هنا لا يحتاج إلى خصومة ولا إلى تشهير، وإنما يحتاج إلى وضوح ومسؤولية؛ إذ لا يستقيم أن تتعدد المرجعيات في الشعارات، ثم يضطرب معناها عند أول اختبار، أو أن تستدعى المرجعية الإسلامية في مواطن التعبئة، ثم يجري التنصل من مقتضياتها حين تفرض نفسها في مقام البيان والموقف.
وأما ما يثار من وقائع أو شبهات تتصل بالسجل السياسي أو التدبيري لصاحب التصريح، فلا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن مناقشة الفكرة نفسها، ولا أن تصبح ستارا يحجب ضعف الحجة أو يغني عن إقامة الدليل. فالخصومة العلمية لا تقوى بتعداد العثرات الشخصية، كما أن الطعن في صاحب القول لا يبطل القول، ولا مدح قائله يصححه. والميزان الأعدل أن يفصل المرء بين «من قال؟» و«ماذا قال؟»؛ فرب كلمة حق قد تصدر ممن نختلف معه، ورب قول مضطرب قد يصدر ممن نحسن الظن به. أما تحويل النقاش إلى محاكمة للأشخاص، فليس سوى هروب من صلب المسألة، واستبدال ببرهان الفكرة ضجيج السيرة والملابسات.
وهنا تنفتح المسألة على أصل أعمق وأبعد أثرا: ليست المشكلة في أن يسأل الإنسان عن حكمة العدة، ولا في أن يبحث عن مقاصدها وآثارها في ضوء المعارف الحديثة؛ فهذا من شأن العقل حين يعمل داخل أفق العلم، ويتحرك في حدود المنهج، ويستصحب الفرق بين الفهم والإلغاء. وإنما الإشكال حين يتحول العقل من أداة للفهم إلى سلطة تشريعية مطلقة، فيصبح النص مطالبا في كل مرة بأن يستوفي شروط الذوق المعاصر حتى يستحق القبول، وكأن الحقيقة لا تكون حقيقة إلا إذا صادقت عليها الأهواء السائدة، أو كأن الوحي لا يملك من الإلزام إلا بمقدار ما يوافق الحس التاريخي العابر.
فالعدة ليست رأيا عابرا في هامش الفقه، ولا عادة اجتماعية فقدت موجبها بتغير الزمان، ولا إجراء احتياطيا يمكن أن تسقطه وفرة الوسائل التقنية؛ أصل وجوبها ثابت بالنص، وتفصيل أحكامها من صميم الفقه، وحكمها ومقاصدها مجال للنظر العلمي الرصين. ومن أراد مناقشتها فليطرق بابها من جهة أصول التشريع، ومقاصد الأحكام، ودلالة النصوص، ومناهج الاستدلال، لا من كوة الانطباع الشخصي ولا من شرفة الشعارات الفضفاضة؛ فبين السؤال عن الحكمة والسعي إلى إسقاط الحكم مسافة من العلم لا يقطعها شعار “العقل والمنطق”، ولا تختصرها ثقة زائدة بالنفس أو بالمعرفة التقنية.
والحق أن أليق ما يقال في مثل هذه النوازل: إن الوحي لا يخاصم العقل، ولكن العقل أيضا لا يستغني عن أن يعرف حدوده؛ إذ ليس كل ما لم يحط به العقل علما قد عدم المعنى، ولا كل ما استثقله الذوق قد فقد الحكمة. وإنما تمام النظر أن يعرف المرء أين يسأل، وبأي آلة يسأل، ومتى يكون السؤال بحثا عن الحكمة، ومتى ينقلب إلى محاكمة للنص بمعيار لم يثبت أنه معيار حاكم عليه.
فالعقل الراشد ليس ذلك الذي يرفع صوته بإلغاء ما لم يفهم، بل ذلك الذي يملك شجاعة التمييز بين ما يجهله وما ينكره، وبين ما يحتاج إلى اجتهاد وما يحتاج إلى تسليم، وبين حدود السؤال المشروع وغرور الحكم المتعجل.
* الدكتور أحمد أزهر
باحث في الدراسات الإسلامية وقضايا التشريع المعاصر