من “ضبط الحدود” إلى “السيادة الاستراتيجية”: قراءة في الخطاب الملكي أمام البرلمان
الميزان/ الرباط: ذ.محمد ازوين
في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، وجّه الملك محمد السادس خطاباً وصفه المراقبون بأنه “يحدد ملامح الخمس سنوات القادمة”. وقد أطلق الخطاب إشارات قوية على مستويين متوازيين: إعادة تعريف نموذج التعاون في مجال الهجرة مع الجوار الأوروبي – وبخاصة إسبانيا – وتوجيه الولاية الجديدة نحو تحول اقتصادي واجتماعي حقيقي.
*الهجرة*: مراجعة “صادقة وشجاعة” لنموذج التعاون
أكثر ما أثار انتباه الدبلوماسيين في الخطاب هو التوصيف المباشر الذي قدمه الملك لنموذج التعاون القائم مع إسبانيا في مجال الهجرة. فقد أعلن بصراحة أن “النموذج الحالي أصبح متجاوزاً”، وأن الأزمات المتكررة هي الدليل على ذلك. ولم يكن هذا الحكم نقداً مجرداً، بل أشار إلى معوقات مؤسسية محددة.
وقد لامس الملك جوهر التناقض: فرغم أن الشراكة “التاريخية والمهمة” مع إسبانيا في محاربة الهجرة غير الشرعية حققت “تقدماً مهماً”، فإن “المقتضيات القانونية المتجاورة” و”القرارات القضائية البعيدة عن الواقع” تُعطّل بشكل منهجي فعالية التعاون. فعلى سبيل المثال، تعرقل هذه العقبات عمليات ترحيل القاصرين، وتسمح للمنتحلين لصفة اللجوء بتجاوز إجراءات الضبط العادية، مما “يغذي شهية شبكات الجريمة”.
وتكمن قوة هذا الطرح في أنه ينقل مصدر المشكلة من الجانب المغربي – أي “ضعف التنفيذ” – إلى الجانب الشريك – أي “خلل النظام”. فالمغرب لم يعد يقبل تحميله المسؤولية من طرف واحد، بل يطالب الطرف الآخر بتحمل مسؤوليته المؤسسية المكافئة.
والأكثر دلالة سياسياً هو الرفض القاطع لـ”الضغط والتهديد والابتزاز”. فقد ردّ الملك مباشرة على “التصريحات اللامسؤولة لبعض الأوساط السياسية والإعلامية” في إسبانيا، معلناً أن الشراكة *اختيار سيادي والتزام إرادي*، وأنها لن تكون أبداً “محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”. وهذا يعني رسم خط أحمر واضح في العلاقات الثنائية: الهجرة قابلة للتعاون، لكنها غير قابلة للتوظيف.
واللافت أن الملك لم يعلن “الانفصال”، بل طرح استراتيجية أكثر هجومية: ستقدم المملكة لشركائها *وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية* تدمج قضية الهجرة في إطار أوسع للتنمية المشتركة والقدرة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وهذا يعني أن المغرب يضع نفسه في موقع “من يحدد جدول الأعمال”، منتقلاً من ردّ الفعل إلى صياغة بنية التعاون.
التحول الاقتصادي: من *الإسمنت والحديد” إلى “الماء والطاقة والذكاء الاصطناعي*
إذا كان جزء الهجرة يرسل رسالة “إعادة تسعير” للعلاقات الخارجية، فإن الفصل الاقتصادي يرسم خريطة طريق للارتقاء بمنطق التنمية الداخلية. فقد أعرب الملك صراحة عن تطلعه لأن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة “منعطفاً حقيقياً”، يمكّن المغرب من مواصلة طموحه كـ”قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة”، مع تحقيق “التوازن والانسجام” بين النمو الاقتصادي و”العدالة الاجتماعية والمجالية”.
ويتجسد هذا التوازن في *جيل جديد من الأوراش الاستراتيجية الكبرى*. وقد حدد الملك مجالاتها بدقة: الأمن المائي، والأمن الطاقي، والأمن الغذائي، إلى جانب النهوض الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وهذا التوجه واضح الدلالة: السردية الاقتصادية للمغرب تنتقل من البنية التحتية التقليدية (الموانئ، القطار فائق السرعة، الملاعب) إلى المرونة الاستراتيجية والسيادة التكنولوجية. فالماء والطاقة والغذاء تتعلق بالحد الأدنى من البقاء الوطني؛ والصناعة والذكاء الاصطناعي يتعلقان بالقدرة التنافسية المستقبلية. وهذا المزيج من “أمن القاعدة + تنافسية الطليعة” يعكس نضجاً في الحكامة الاقتصادية.
كما حثّ الملك القطاع الخاص على أن يكون “أكثر مبادراة وإبداعاً”، وأن يضطلع بدور استراتيجي أكثر فعالية في خلق فرص العمل وتوسيع الصادرات. وهذا ليس مجرد تعبير “ودّي” تجاه الأعمال، بل جهد مؤسسي لتفعيل محركات النمو الذاتية بعد دورة استثمارية كبرى قادتها الدولة. وقد وُضع الشباب في قلب السياسات العمومية، حيث طالب الملك برؤية شاملة تشمل *التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي*، بما يضمن تكافؤ الفرص و”الحراك الاجتماعي”.
*الهوية التاريخية كرأسمال سياسي*
تضمن الخطاب لحظة رمزية بالغة الدلالة. فقد استحضر الملك عبارته الشهيرة من سنة 2014 في نفس المنبر – “أغلى إحساس عندي هو اعتزازي بمغربيتي” – مؤكداً أن هذا الشعور “يزداد قوة ورسوخاً”. ووصف المغرب بأنه “من أعرق الأمم علماً ومجداً”، ينمو في ظل “ملكية من أقدم الملكيات في التاريخ”، وأن “طهارة هويته الدينية” و”غنى تعدديته الحضارية” مصدر فخر حقيقي.
وهذا ليس خطاباً حنينياً، بل توظيف لمورد سياسي. ففي مواجهة الضغوط الخارجية ومهام التحول الداخلي، يعرّف الملك “المغربية” كـ”محفّز يحوّل الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”. بعبارة أخرى، العمق التاريخي والثقة الهوياتية ليسا مدعاة للرضا، بل شهادة أهلية لتحمل مسؤولية أكبر.
*رسائل ضمنية للمشرّعين*
الجزء الأخير من الخطاب موجّه بوضوح إلى البرلمانيين. فقد وصف الملك الانتداب البرلماني بأنه “التزام سياسي وتعاقد أخلاقي”، يربطهم مباشرة بالمواطنين ومصالحهم. وفي سياق الحاجة إلى تشريعات مواكبة للاستراتيجية الجديدة للهجرة والتحول الاقتصادي، فإن الرسالة الضمنية واضحة: البرلمان الجديد لا ينبغي أن يكون فرامل الإصلاح، بل مُسرّعاً مؤسسياً لما يسميه الملك “المنعطف”.
*إعادة معايرة مبدئية*
من منظور أوسع، يمكن تلخيص المنطق الجوهري لخطاب محمد السادس في عبارة “إعادة معايرة مبدئية”. في العلاقات الخارجية، يرفض المغرب أن يُعرَّف كـ”طرف مشكلة”، ويطالب بأن يكون “محدد الحلول”. وفي التنمية الداخلية، يرفض البقاء في النموذج القديم القائم على مدخلات العوامل، ويتحول إلى إطار تنافسية جديد يقوم على المرونة الأمنية والقدرة التكنولوجية.
والهجرة والاقتصاد، في هذا الخطاب، ليسا فصلين منفصلين، بل وجهان لمطلب واحد: السيادة الاستراتيجية. فالدولة ذات السيادة يحق لها أن تقرر مع من تتعاون، وبأي شروط، وأين توجّه ميزاتها النسبية نحو أي صناعات مستقبلية.