واشنطن تطوي ملف “الاستفتاء” وتفتح ورش “الحكم الذاتي” — قراءة مغربية في مسودة مجلس الأمن
الميزان/ الدار البيضاء: ذ. محمد ازوين
من نيويورك، وبعد ثلاثة عقود ونصف من المناورات والمراوغات، وصلت إلى مجلس الأمن مسودة قرار أمريكية تحمل في طياتها بشرى طال انتظارها في الرباط: إسقاط كلمة “الاستفتاء” من اسم بعثة الأمم المتحدة، وتكريس الحكم الذاتي كـ”الحل الوحيد القابل للتطبيق” تحت السيادة المغربية. مسودة وزّعتها واشنطن يوم الخميس 22 أكتوبر، وحصلت “الصحراء الآن” على نسخة منها، تُشكّل – بلا مبالغة – نقطة تحوّل استراتيجي في مسار قضية الصحراء المغربية.
أولاً: *مينورسو” تُطوى… و”مينوسو” تُولد*
لطالما كانت تسمية البعثة الأممية مثار جدل قانوني: “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية” (MINURSO) كانت تحمل في اسمها وعداً لم يتحقق قط، وظلّ يشكّل ورقة ضغط بيد خصوم المغرب. اليوم، تقترح المسودة الأمريكية إسقاط كلمة “الاستفتاء” نهائياً، وتحويل البعثة إلى “بعثة الأمم المتحدة للصحراء المغربية” (MINUSO). هذا ليس تعديلاً شكلياً، بل تصحيح قانوني وتاريخي لمسار انحرف عن هدفه منذ 1991.
وتحدد المسودة جدولاً زمنياً واضحاً: إنهاء مهمة حفظ السلام في 30 أبريل 2027، ثم الانتقال إلى بعثة سياسية خاصة في فاتح ماي، على أن تُغلق تماماً في 31 أكتوبر 2027. كما تطالب الأمين العام غوتيريش بالشروع فوراً في تقليص المكوّن العسكري، بخفض لا يقل عن 50% من الأفراد النظاميين بحلول 31 يناير 2027. هذه خطوات تُنهي تدريجياً وجوداً أممياً كان يُستغلّ كغطاء لاستمرار الجمود.
ثانياً: *الحكم الذاتي… من “خيار” إلى “الحل الوحيد*
هنا الجوهر. تنص المسودة صراحةً على أن “الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد القابل للتطبيق”. وهي صياغة تتجاوز بكثير قرار مجلس الأمن 2797 لعام 2025 الذي اكتفى بوصفه “أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق”. بل تذهب المسودة إلى إلزام الأطراف بالتفاوض “على أساس خطة الحكم الذاتي الموسّعة والمحدّثة للمغرب فقط”، مطالبةً البوليساريو بتقديم ردها على هذا الأساس.
هذا انتصار دبلوماسي كبير للمغرب، الذي طرح مبادرة الحكم الذاتي عام 2007 كحل واقعي ومسؤول، وظل يدفع بها في المحافل الدولية رغم عقود من المماطلة. واليوم، يبدو أن المجتمع الدولي – أو على الأقل القوة العظمى التي تُمسك بملف القرار – اقتنع أخيراً بأن لا حل لهذا النزاع إلا في إطار السيادة المغربية.
ثالثاً: *ردود الفعل… وغضب الخصوم*
لم يتأخر رد البوليساريو. ففي 22 أكتوبر، أرسل ممثلها في الأمم المتحدة سيدي محمد عمر رسالة إلى رئيس مجلس الأمن يهدد فيها بـ”الانسحاب الكامل من عملية السلام” إذا مُرّرت المسودة دون تعديلات جوهرية، واصفاً إياها بـ”الانحراف” و”انتهاك الحقوق غير القابلة للتصرف”. هذا الغضب مفهوم: فالمسودة تُجرد البوليساريو من أساسها التفاوضي الوحيد، وتُغلق الباب أمام أي طرح انفصالي.
أما الجزائر، الداعم الرئيسي للجبهة، فلم تُصدر بعد موقفاً رسمياً، لكنّها تجد نفسها أمام معادلة جديدة: إما القبول بتراجع نفوذها في الملف، أو التصعيد دبلوماسياً. وفي الحالتين، موقعها التفاوضي تضرر بشكل كبير.
رابعاً: *قراءة مغربية… ماذا بعد؟*
بالنسبة للمغرب، هذه المسودة تُترجم سنوات من الدبلوماسية الهادئة والمنسقة، التي قادها جلالة الملك محمد السادس بثبات، مستندة إلى شرعية تاريخية وحقائق ميدانية، وإلى تحالفات استراتيجية متينة، خاصة مع الولايات المتحدة. ولم يأتِ هذا التحول من فراغ، بل جاء بعد تراكم إنجازات دبلوماسية: الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، وفتح قنصليات في العيون والداخلة، ودعم متزايد من دول أفريقية وأوروبية لمبادرة الحكم الذاتي.
لكن المسودة، رغم أهميتها، لا تزال في مرحلة “المشاورات الأولية”. ومن المتوقع أن تقدم روسيا والصين تعديلات، وقد تحاول بعض الأطراف تخفيف الصياغة. لذا، يبقى التحدي الأكبر أمام الدبلوماسية المغربية هو الحفاظ على الزخم، وضمان أن يُترجم هذا المسار إلى قرار نهائي بمجلس الأمن خلال الأسابيع المقبلة، دون تراجع عن المكاسب المحققة.
*نصر دبلوماسي… ومسؤولية تاريخية*
ما تحمله هذه المسودة ليس مجرد قرار أممي، بل تتويج لمسار طويل من الصمود والواقعية. المغرب، الذي ظل يتمسك بشرعية الأمم المتحدة وبروح التوافق، يجد اليوم المجتمع الدولي يقترب من الاعتراف بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد