الاقتصاديةالسياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

المفارقة المغربية الكبرى: نشتكي من الغلاء.. ونزدحم في المولات.. هل المغاربة فقراء فعلا أم أننا أمام تحول عميق في أنماط الاستهلاك؟

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

المفارقة المغربية الكبرى: نشتكي من الغلاء.. ونزدحم في المولات.. هل المغاربة فقراء فعلا أم أننا أمام تحول عميق في أنماط الاستهلاك؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
صورة تطرح ألف سؤال
مشهد يتكرر كل نهاية أسبوع في الدار البيضاء والرباط ومراكش وأكادير وطنجة: مواقف السيارات ممتلئة عن آخرها أمام مرجان وكارفور ومرجان ماركت، طوابير طويلة أمام صناديق الأداء، عربات تسوق محملة عن آخرها بالمواد الغذائية واللحوم والأجبان المستوردة، بينما في نفس الوقت، على بعد أمتار، يجلس سائق طاكسي يشكو من غلاء المعيشة، وموظف يشكو من أن راتبه لا يكفيه لأسبوعين، ومواقع التواصل الاجتماعي تغلي بهاشتاغ الغلاء_قتلنا والمقاطعة.
كيف نفسر هذه المفارقة الغريبة؟ هل المغاربة يكذبون عندما يشتكون؟ هل نحن أمام انفصام في الشخصية الاستهلاكية؟ أم أن الحقيقة أعقد بكثير من الصورة السطحية؟
هذا البحث المعمق يحاول تفكيك الظاهرة من زوايا اقتصادية واجتماعية ونفسية.
أولا: الأرقام لا تكذب.. القدرة الشرائية تآكلت فعلا
قبل أن نتهم المغاربة بالنفاق الاستهلاكي، يجب أن نعترف بالحقيقة الاقتصادية:
1. التضخم التراكمي: حسب المندوبية السامية للتخطيط، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 22% بين 2021 و2026، بينما لم ترتفع الأجور إلا بـ 8% في نفس الفترة. كيلو لحم البقر الذي كان بـ 65 درهما أصبح بـ 110 دراهم، وقنينة الزيت 5 لتر من 70 درهما إلى 115 درهما.
2. الطبقة الوسطى تتآكل: المغرب يعرف ما يسميه الاقتصاديون بـفقر الطبقة الوسطى. الموظف الذي كان يتقاضى 8000 درهم سنة 2019 كان يعيش بكرامة، اليوم نفس الراتب لا يكفي لدفع الكراء (3000 درهم) + النقل + المدرسة الخصوصية للأبناء.
3. الاستدانة: 68% من الأسر المغربية مدينة حسب بنك المغرب، أغلبها قروض استهلاك.
إذن الشكوى حقيقية، وليست ادعاء.
ثانيا: لماذا إذن الازدحام في المساحات الكبرى؟ 7 أسباب تفسر المفارقة
1. المساحات الكبرى أصبحت أرخص من الحانوت.. مفارقة الثمن
وهذه أكبر مفاجأة: كثير من المغاربة يذهبون إلى مرجان وكارفور _لأنهم فقراء_، وليس لأنهم أغنياء.
– الحانوت في الدرب يبيع علبة طماطم بـ 8 دراهم، بينما في مرجان تباع بـ 5.50 درهم في العروض.
– المساحات الكبرى تعتمد سياسة “اللوس ليدر” (منتج بسعر خاسر لجلب الزبون): دجاجة بـ 30 درهما، حليب بأقل من ثمنه، عروض اشتري 2 خذ الثالث مجانا.
– الفقير الذي كان يشتري بالتقسيط من مول الحانوت (كريدي) أصبح يفضل الكاش في المول لأنه أرخص بـ 20-30%.
بمعنى آخر: الازدحام ليس دليل غنى، بل دليل بحث عن الرخص.
2. ظاهرة الخروج الأسبوعي – المول كفضاء للترفيه المجاني
في غياب فضاءات عمومية مجانية (حدائق، مسارح، دور شباب)، تحول المول إلى منتزه الفقراء.
كثير من الأسر لا تذهب للتبضع فعلا، بل تذهب للنزهة: مكيف في الصيف، دافئ في الشتاء، ألعاب للأطفال، تذوق مجاني للأجبان، فرجة على الواجهات. العربة الممتلئة التي نراها هي لـ 10% من الزوار، أما 90% فيتجولون فقط أو يشترون خبزة وحليبا.
وهذا ما يؤكده مدير أحد المولات بالدار البيضاء: عدد الزوار يوم السبت يتجاوز 25 ألف، لكن عدد الفواتير لا يتجاوز 8 آلاف. أغلب الناس جايين يتساراو.
3. الاستقطاب الطبقي: مغربان في مول واحد
المغرب ليس طبقة واحدة. هناك:
– مغرب 20%: أغنياء وطبقة وسطى عليا، دخلهم فوق 20 ألف درهم، لا يحسون بالغلاء كثيرا، وهم من يملأ العربات فعلا بالسلمون والجبن الفرنسي.
– مغرب 80%: هم من يشتكي، وهم من يزدحم في الممرات لكنهم يشترون القليل.
عندما نرى الازدحام، نخلط بين الفئتين. العربة الممتلئة ليست لنفس الشخص الذي يشتكي في الطاكسي.
4. ثقافة التفاخر الاستهلاكي والكريدي
عامل نفسي-اجتماعي خطير: في المجتمع المغربي، المظاهر مهمة جدا.
– كثير من الأسر تشتري فوق طاقتها في نهاية الشهر (عندما يدخل الراتب) لتصوير عربة ممتلئة ونشرها، ثم تعيش 20 يوما على العدس واللوبيا.
– بطاقات الائتمان والقروض الاستهلاكية سهلت هذا السلوك: اشتري الآن وادفع لاحقا.
– يقول عالم الاجتماع : المغربي مستعد أن يجوع ليشتري آيفون أو ليملأ عربة التسوق أمام الناس. الاستهلاك أصبح هوية اجتماعية تعوض غياب المكانة.
5. نهاية الأسبوع = التبضع الشهري
الازدحام الذي نراه يوم السبت والأحد ليس استهلاكا يوميا، بل هو تجميع لاستهلاك أسبوع كامل. الأسرة التي كانت تشتري يوميا من السوق، أصبحت تشتري مرة واحدة في الأسبوع من المول لتوفير ثمن النقل والوقت. فيبدو لنا أنهم يشترون بكثرة، بينما هم فقط يجمعون مشتريات 7 أيام في عربة واحدة.
6. تأثير “الفومو” والعروض الوهمية
المساحات الكبرى بارعة في التسويق: تخفيضات نهاية الأسبوع فقط، الكمية محدودة، عرض خاص لحاملي بطاقة الوفاء. هذا يخلق هلعا استهلاكيا: “إذا ما شريتش اليوم، غدا غادي يغلى. فيشتري المواطن 10 كيلو دقيق و5 لتر زيت خوفا من الغلاء المقبل، وهو ما يزيد من الازدحام.
7. الهجرة القروية والتمدن السريع
الدار البيضاء وحدها تستقبل 50 ألف مهاجر قروي سنويا. هؤلاء كانوا ينتجون غذاءهم في البادية، اليوم أصبحوا مستهلكين في المدينة، ويتسوقون من المولات. الطلب ارتفع، بينما العرض لم يواكب.
ثالثا: هل نحن أمام أزمة أخلاقية أم اقتصادية؟
الحقيقة أن المفارقة تكشف 3 أزمات عميقة:
1. أزمة عدالة مجالية: 70% من المساحات التجارية الكبرى توجد في محور الدار البيضاء-الرباط-طنجة، بينما المدن الصغيرة والقرى بلا بديل، فيضطر سكانها للتنقل للمدن الكبرى.
2. أزمة سياسات عمومية: الدولة شجعت المساحات الكبرى الفرنسية (مرجان، كارفور) على حساب الأسواق الشعبية والحوانيت، مما قتل التجارة الصغرى (أكثر من 200 ألف حانوت أغلق في 10 سنوات).
3. أزمة وعي استهلاكي: غياب ثقافة الاستهلاك العقلاني. المغربي يشتري الخبز ويرمي نصفه (نهدر 900 مليون خبزة سنويا)، يشتري الخضر وتتعفن في الثلاجة.
الحل ليس في لوم المواطن
اتهام المغاربة بالنفاق لأنهم يشتكون ويزدحمون في المولات هو تبسيط مخل.
الحقيقة أن المغربي يشتكي لأنه فقير فعلا، ويذهب للمول لأنه يبحث عن الرخص، أو عن نزهة مجانية، أو لأنه ضحية منظومة استهلاكية تجبره على الشراء.
الحل ليس في مطالبة المواطن بالتقشف، بل في:
– رفع الأجور وربطها بالتضخم.
– دعم المنتوج المحلي وتقصير مسالك التوزيع.
– خلق فضاءات ترفيه عمومية مجانية حتى لا يصبح المول هو المتنزه الوحيد.
– تقنين العروض والإشهار الكاذب.
– إحياء الأسواق الشعبية ودعم مول الحانوت.
المفارقة ستستمر ما دام المغرب يعيش باقتصاد الريع وسياسة “خلي الدراوش يتفرجو في المول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى