الاقتصاديةالسياسيةالقانــونقضايا المجتمعمنوعات

نهاية رخص الريع في المغرب.. بحث معمق في تاريخ اقتصاد الريع، وآليات تفكيكه، ومن المستفيد ومن الخاسر؟

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

نهاية رخص الريع في المغرب.. بحث معمق في تاريخ اقتصاد الريع، وآليات تفكيكه، ومن المستفيد ومن الخاسر؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
من “الكريمات” إلى “المأذونيات” إلى لا شيء؟
لمدة 60 سنة، كانت عبارة “عندو الكريمة” أو “عندو المأذونية” هي مفتاح فهم الاقتصاد المغربي. رخصة لنقل المسافرين، رخصة لاستغلال مقلع رمال، رخصة لاستغلال منجم، رخصة لصيد في أعالي البحار، رخصة لفتح صيدلية… رخص تمنح بظهير ملكي أو بقرار إداري، بدون دفتر تحملات، بدون منافسة، تدر على صاحبها الملايين كل شهر وهو نائم في بيته، ويستغلها سائقون أو كراية بثمن بخس.
هذا هو اقتصاد الريع الذي حاربه الملك الراحل الحسن الثاني في خطاباته، واعتبره الملك محمد السادس في خطاب 30 يوليوز 2013 عائقا أمام التنمية والعدالة الاجتماعية، وأمر حكومته بإنهائه.
واليوم، في نونبر 2026، يبدو أن المغرب وصل فعلا إلى نهاية مرحلة رخص الريع. لكن، هل انتهى الريع فعلا؟ أم تغير شكله فقط؟ هذا البحث المعمق يحاول الإجابة.
الفصل الأول: ما هي رخص الريع؟ وكيف نشأت؟
1. التعريف الاقتصادي:
رخصة الريع هي امتياز تمنحه الدولة لشخص طبيعي أو معنوي لاستغلال مرفق عام أو ثروة وطنية، دون المرور عبر آلية المنافسة والشفافية (طلب عروض)، ودون التزام باستثمار أو تشغيل، ويكون الهدف منها في الأصل هو مكافأة سياسية أو قبلية أو اجتماعية.
2. الجذور التاريخية:
ظهرت أولى رخص النقل (الكريمات) في عهد الحماية الفرنسية سنة 1945 لتنظيم النقل. وبعد الاستقلال سنة 1956، استعملها المغرب كأداة لـ:
– مكافأة المقاومين وأعضاء جيش التحرير: الذين ضحوا من أجل الاستقلال.
– استمالة القبائل والشيوخ: لضمان ولائها للدولة الفتية.
– تعويض بعض العائلات النافذة: عن أملاكها التي نزعت منها.
– أداة للتضامن الاجتماعي: حيث كانت تمنح للأرامل والمعوزين وذوي الاحتياجات الخاصة.
لكن مع مرور الوقت، وخاصة في سنوات السبعينات والثمانينات، تحولت الرخصة من أداة تضامن إلى أداة للفساد والزبونية السياسية. أصبحت تمنح للفنانين والمغنيين والرياضيين والبرلمانيين والمقربين من مراكز القرار، وبيعت في السوق السوداء بملايين الدراهم.
3. أنواع رخص الريع الكبرى في المغرب:
نوع الرخصة العدد التقديري في ذروتها (2010) المدخول الشهري التقديري طريقة الاستغلال
كريمة النقل (حافلات وطاكسي) 4500 كريمة 20,000 إلى 80,000 درهم يكريها لشركة نقل أو سائق
مأذونية مقالع الرمال والأحجار 2800 مأذونية 100,000 إلى 1 مليون درهم يكريها لمقاولة بناء
رخصة الصيد في أعالي البحار380 رخصة 500,000 إلى 5 ملايين درهم يكريها لباخرة أجنبية
رخصة استغلال منجم 1200 رخصة غير محدود يكريها لشركة منجمية
رخصة صيدلية (شبه ريع) احتكار جغرافي – –
الفصل الثاني: كيف تم تفكيك ريع الكريمات؟ المراحل الحاسمة
لم يكن إنهاء الريع سهلا، لأنه كان يمس مصالح آلاف النافذين. وقد مر بثلاث مراحل حاسمة:
المرحلة الأولى: خطاب الملك محمد السادس سنة 2013 – الضربة السياسية
في خطاب العرش 2013، قال الملك بالحرف: “إن استمرار اقتصاد الريع والامتيازات يتنافى مع منطق الدستور الجديد الذي يكرس المساواة وتكافؤ الفرص”. هذا الخطاب كان بمثابة ضوء أخضر للحكومة لإنهاء الريع.
المرحلة الثانية: حكومة بنكيران (2012-2016) – لائحة المستفيدين
قامت حكومة عبد الإله بنكيران بنشر لائحة المستفيدين من مأذونيات النقل ومقالع الرمال لأول مرة في تاريخ المغرب. وكانت صدمة: تبين أن من بين المستفيدين فنانين، ومغنيات، ولاعبي كرة قدم، وبرلمانيين، وحتى أشخاص متوفون ما زالت عائلاتهم تستغل رخصهم. هذه الشفافية كسرت حاجز الخوف.
المرحلة الثالثة: حكومة أخنوش وما بعدها (2021-2026) – الإنهاء القانوني والفعلي.
وهنا كانت النهاية الحقيقية عبر 3 آليات قانونية:
1. تحويل الكريمة إلى عقد استغلال بدفتر تحملات:
صدر القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم النقل الطرقي للأشخاص سنة 2023، والذي ينص على:
– عدم توريث الكريمة: عند وفاة صاحب الرخصة الأصلي (المقاوم)، تعود للدولة ولا تورث لأبنائه.
– عدم تجديدها تلقائيا: كل كريمة انتهت مدتها (7 سنوات) لا تجدد إلا عبر طلب عروض تنافسي.
– إلزام المستفيد بالاستثمار: لم يعد يمكنه أن يكريها، بل يجب أن ينشئ شركة نقل ويشغل سائقين ويؤدي الضرائب.
– النتيجة: بين 2015 و2026، انخفض عدد الكريمات الريعية من 4500 إلى أقل من 900 كريمة، وستنتهي نهائيا سنة 2028.
2. تحرير مقالع الرمال بقانون جديد:
صدر القانون 27.13 المتعلق بمقالع الرمال سنة 2018، والذي ألغى نظام المأذونية وعوضه بنظام طلب العروض العلني. أي مقلع رمال اليوم يجب أن يمر عبر مناقصة وطنية، مع دراسة بيئية، ودفتر تحملات يفرض التشجير وإعادة تأهيل المقلع. النتيجة: انهيار أسعار الرمال من 300 درهم للطن إلى 120 درهما، وإفلاس عدد كبير من المستفيدين القدامى.
3. تحرير الصيد في أعالي البحار:
بضغط من الاتحاد الأوروبي ومن أجل تجديد اتفاقية الصيد، ألغى المغرب سنة 2019 نظام رخص الصيد المجانية، وعوضه بنظام الحصص (الكوطا) والترخيص بمقابل مالي ضخم يذهب لخزينة الدولة وصندوق تنمية الصيد. كل باخرة اليوم تدفع 2 مليون درهم سنويا للدولة.
الفصل الثالث: هل انتهى الريع فعلا؟ أم تغير شكله؟ – قراءة نقدية.
هذا هو السؤال الجوهري. بحثنا الميداني يكشف أن الريع القديم انتهى، لكن ريعا جديدا أكثر خطورة ظهر، وهو ريع الصفقات والامتيازات المقننة.
1. نهاية الريع الشخصي:
صحيح أننا لم نعد نرى مغنيا يملك كريمة، أو برلمانيا يملك مقلع رمال. هذا الريع البدائي انتهى بفضل الشفافية والضغط الملكي والشعبي.
2. ظهور الريع الجديد – ريع الرأسمال الكبير:
اليوم، لم تعد الرخصة تمنح لشخص، بل لشركة كبيرة عبر طلب عروض يبدو قانونيا، لكن شروطه مفصلة على مقاس شركة معينة.
أمثلة:
– ريع الطاقات المتجددة:. رخصة إنشاء محطة ريحية أو شمسية تمنح لشركات عملاقة (نareva، Engie) عبر طلب عروض، لكن بشروط تعجيزية تمنع الشركات الصغرى من المنافسة.
– ريع تحلية المياه: محطات تحلية المياه بالدار البيضاء والداخلة منحت لشركات فرنسية وإسبانية بعقود امتياز لـ 30 سنة تضمن لها أرباحا خيالية على حساب المواطن.
– ريع التدبير المفوض: شركات النقل الحضري (ألزا) وشركات الماء والكهرباء (ليديك، أمانديس) تستفيد من امتياز احتكاري لـ 20 سنة، بدون منافسة حقيقية، وتقدم خدمات رديئة.
– ريع العقار: تفويت أراضي الدولة (أراضي صوديا وصوجيطا) لشركات عقارية كبيرة بثمن بخس (100 درهم للمتر) لتبيعه بثمن 10,000 درهم.
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور نجيب أقصبي في تصريح خاص لهذا البحث: “نحن لم نقض على الريع، نحن فقط حولناه من ريع الأفراد الصغار (الكريمة) إلى ريع الشركات الكبرى (الكونغلوميرا). الريع القديم كان يكلف الدولة مليار درهم سنويا، الريع الجديد يكلفها 20 مليار درهم. الفرق أن الريع القديم كان غير قانوني ولا أخلاقي، والريع الجديد أصبح قانونيا ومقننا بدفاتر تحملات مفصلة على المقاس”.
الفصل الرابع: من الرابح ومن الخاسر؟
الخاسرون:
– آلاف الأسر التي كانت تعيش من كراء كريمة واحدة (الأرامل والمقاومون القدامى)، وجدت نفسها بدون دخل بعد سحب الرخصة. الدولة لم توفر لهم بديلا حقيقيا (منحة 2000 درهم لا تكفي).
– السائقون المهنيون الصغار الذين كانوا يشتغلون بنظام “الحلاوة”، وجدوا أنفسهم مطالبين بإنشاء شركات.
الرابحون:
– خزينة الدولة: التي أصبحت تجني 4 مليارات درهم سنويا من بيع رخص المقالع والصيد.
– المواطن البسيط: الذي انخفضت عليه كلفة النقل والرمال نظريا.
– الشركات الكبرى المنظمة: التي دخلت مكان المستفيدين القدامى وأصبحت تحتكر السوق بشكل قانوني.
خاتمة: الطريق لا يزال طويلا.
إن إنهاء رخص الريع التقليدية (الكريمة) هو إنجاز تاريخي يحسب للمغرب وللملك محمد السادس. لكنه ليس نهاية المعركة، بل بدايتها.
المعركة الحقيقية اليوم هي إنهاء ريع الصفقات الكبرى و ريع المعلومة و ريع القرب من السلطة، عبر:
1. إصلاح حقيقي لقانون الصفقات العمومية وفرض الشفافية التامة في طلبات العروض.
2. إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة الامتيازات الكبرى (الموانئ، المطارات، الطاقات).
3. تفعيل قانون تضارب المصالح ومنع الوزراء والبرلمانيين من الاستفادة من صفقات الدولة.
بدون ذلك، سنكون قد قتلنا ذبابة الريع الصغير وتركنا فيل الريع الكبير يمر.
فهل نحن فعلا أمام نهاية الريع، أم أمام إعادة إنتاج له بوجه جديد وقانوني؟ الجواب سيحدد ملامح المغرب الاقتصادي في أفق 2030

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى