السياسيةالقانــونقضايا المجتمعمنوعات

كيف أصبحت عين حرودة وكرا لتجار المخدرات.. تحقيق ميداني يكشف خريطة “البزناسة” و”الكرابة” و”مول البوفا” وكيف تحولت المدينة الهادئة إلى سوق مفتوح للمخدرات

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

كيف أصبحت عين حرودة وكرا لتجار المخدرات.. تحقيق ميداني يكشف خريطة “البزناسة” و”الكرابة” و”مول البوفا” وكيف تحولت المدينة الهادئة إلى سوق مفتوح للمخدرات
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
لم تعد عين حرودة تلك المدينة الهادئة التي كانت تعرف بـمدينة العمال لقربها من المحمدية والمحطة الحرارية. اليوم، وبين زنقة زنقة، وفي كل حي، أصبحت المدينة التي يقطنها أكثر من 80 ألف نسمة، وكرا مفتوحا لتجار المخدرات بكل أنواعها: من الحشيش والكيف، إلى القرقوبي والإكستازي، وصولا إلى الأخطر على الإطلاق: مخدر البوفا (الكوكايين المتصلب) الذي يقتل شبابها بصمت.
قضت جريدتنا 72 ساعة كاملة داخل أحياء عين حرودة، من حي حربيلي إلى حي الأمل إلى كريسطال إلى المدينة القديمة، والتقينا بـ 12 مصدرا، بينهم مدمنون سابقون، وأمهات، وتجار سابقون، وعناصر أمنية، لنكشف لكم الخريطة الكاملة لسوق المخدرات الذي يهدد مستقبل مدينة بأكملها.
الفصل الأول: الخريطة – أين يباع المخدر وكيف؟
عين حرودة مقسمة اليوم من طرف تجار المخدرات إلى 3 مناطق نفوذ، لكل منطقة “مولها” ونوع مخدرها:
*1. حي حربيلي والقدس – مملكة البوفا والقرقوبي
هذا الحي الشعبي الكثيف، الذي يعاني من البطالة والهدر المدرسي، أصبح عاصمة البوفا في جهة الدار البيضاء – سطات.
– طريقة البيع: لا يوجد محل ثابت. هناك ما يسمى بـالسيكتور (قطاع)، وهو شاب على دراجة نارية من نوع “سـ 90” أو “بيكان”، هاتفه لا يتوقف. تتصل به، يعطيك مكانا في الزنقة، يأتي في دقيقتين، يرمي لك “حبة” صغيرة ملفوفة في ورق الألمنيوم (البوفا) أو قرصا (القرقوبي) ويأخذ 100 درهم ويهرب.
– السعر: حبة البوفا: 100 درهم، قرص الإكستازي: 80 درهم، قرص ريفوتريل (قرقوبي): 20 درهما.
– الزبائن: تلاميذ ثانوية، عمال في المحمدية، وحتى فتيات. حسب أحد المدمنين السابقين التقيناه (ياسين، 22 سنة)، البوفا كتخليك تنسى كلشي، كتولي باغي غيرها. بديت بسيجارة حشيش في حربيلي، ومن بعد عام وليت كنبيع تلفازة دارنا باش نشري بوفا.
2. حي كريسطال والشواطئ – مملكة الحشيش والكيف.
قرب الشاطئ وطريق زناتة، تنشط تجارة الحشيش التقليدية.
– المصدر: يأتي الحشيش من مناطق كتامة وباب برد عبر شبكة من المهربين، ويخزن في منازل مهجورة بعين حرودة.
– طريقة البيع: هناك “كرابة” ثابتون، يجلسون في مقاهي معروفة، أو أمام بقالة، يبيعون الطابة (قطعة حشيش 5 غرام بـ 100 درهم) والصاروخ (سيجارة ملفوفة بـ 20 درهما). الشرطة تعرفهم بالاسم، لكنهم يغيرون المكان كل أسبوع.
– الخطر الجديد: حسب دركي سابق، الحشيش ديال دابا ماشي هو ديال زمان، ولا مخلط بمواد كيماوية خطيرة كتسبب الجنون.
3. المدينة القديمة والسوق – مملكة الشراب والماحيا.
في الأحياء القديمة، تنتشر صناعة وتجارة مسكر الماحيا (ماء الحياة) المغشوش، الذي تسبب في وفاة شخصين السنة الماضية حسب سكان الحي.
الفصل الثاني: من يحمي البزناسة؟ ولماذا لا يتم توقيفهم؟
هذا هو السؤال الذي طرحناه على كل سكان عين حرودة. الجواب كان صادما ومتشابها:
البزناس الكبير لا يسكن في عين حرودة.
يقول مصدر أمني رفيع رفض ذكر اسمه: ما تراه في عين حرودة هم فقط الجنود الصغار، الكرابة الصغار. الرؤوس الكبيرة، الممولون الحقيقيون، يسكنون في فيلات بالمحمدية والدار البيضاء، ولديهم سيارات فاخرة وشركات وهمية. هم من يجلبون البوفا من أمريكا الجنوبية عبر ميناء الدار البيضاء، ويوزعونها على الشباب الصغار في عين حرودة ليبيعوها. إذا أوقفنا صغيرا، يظهر عشرة غيره، لأن الفقر يدفعهم.
ويضيف: المدمن الصغير إذا أوقفناه، نسلمه للعدالة، يخرج بعد شهر، ويعود لنفس الحي ونفس البطالة ونفس الرفاق، فيعود للمخدر. الحل ليس أمنيا فقط، بل اجتماعي واقتصادي.
وتؤكد أم التقياناها في حي الأمل، ابنها مدمن بوفا عمره 19 سنة: ولدي كان خدام في لافارج، طردوه، جلس في الدار، تعرف على دراري حربيلي، علموه البوفا. دابا كيسرقنا، كيسرق خوه الصغير، باع كلشي. مشيت للبوليس، قالو ليا خاصك تشديه متلبس. ومشيت للمستشفى، قالو ليا المركز ديال معالجة الإدمان كاين غير في كازا واللائحة عامرة. فين نمشي؟ بنيت ولدي ضاع.
الفصل الثالث: الأرقام الصادمة – عين حرودة في قلب العاصفة.
حصل المراسل على أرقام حصرية من ولاية أمن المحمدية:
– خلال 10 أشهر من 2026، تم توقيف 312 شخصا في قضايا مخدرات بعين حرودة وحدها.
– حجز 45 كلغ من الحشيش، و3.2 كلغ من البوفا، و12 ألف قرص مهلوس.
– 60% من الموقوفين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة.
– 80% من قضايا السرقة والاعتداء بالسلاح الأبيض بعين حرودة سببها المخدرات (المدمن يسرق ليشتري).
وقال طبيب في المركز الصحي بعين حرودة: نستقبل يوميا 3 إلى 4 حالات تسمم بالبوفا أو القرقوبي، شباب يأتون في حالة هيجان، أو غيبوبة. ليس لدينا لا أدوية ولا تكوين لمعالجتهم، نحولهم لمستشفى مولاي عبد الله بالمحمدية، وهناك يهربون.
الفصل الرابع: الحلول المقترحة – ماذا يريد السكان؟
طالب سكان عين حرودة، في عريضة وقعها 500 شخص وتوصلت الجريدة بنسخة منها، بـ:
1. مقاربة أمنية صارمة: إنشاء مفوضية أمن كاملة بعين حرودة (حالياً يوجد فقط مركز درك صغير لا يكفي)، وتسيير دوريات ليلية دائمة في حربيلي وكريسطال، وتفكيك الشبكات الكبرى وليس فقط الصغار.
2. مقاربة صحية: إنشاء مركز لمعالجة الإدمان بعين حرودة، مجاني، لإنقاذ الشباب، بدل تركهم يموتون ببطء.
3. مقاربة تنموية: عين حرودة فيها 60% بطالة في صفوف الشباب. لا ملاعب قرب، لا دور شباب مجهزة، لا مصانع. الشاب لا يجد أين يذهب، فيذهب للبزناس. يجب خلق منطقة صناعية صغيرة وتشغيل الشباب.
عين حرودة تستغيث.
عين حرودة اليوم ليست وكرا للمخدرات لأن سكانها مجرمون، بل لأنها مدينة منسية. منسية تنمويا، منسية أمنيا، ومنسية صحيا. تجار المخدرات وجدوا فيها أرضا خصبة: فقر، بطالة، شباب يائس، وغياب للدولة الاجتماعية.
إنقاذ عين حرودة من البوفا والقرقوبي لا يكون فقط بحملات أمنية موسمية، بل باستراتيجية وطنية تربط الأمن بالتنمية والصحة.
فهل ستستمع وزارة الداخلية ووزارة الصحة وولاية الدار البيضاء لصرخة أمهات عين حرودة قبل أن تتحول المدينة إلى “كولومبيا مصغرة” على أبواب المحمدية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى