الاقتصاديةالسياسيةالقانــونقضايا المجتمعمنوعات

نهاية ريع الإعفاءات الضريبية في المغرب.. الحكومة تعلن الحرب على “المحظوظين” وتوجه 32 مليار درهم نحو الطبقة الوسطى

نهاية ريع الإعفاءات الضريبية في المغرب.. الحكومة تعلن الحرب على "المحظوظين" وتوجه 32 مليار درهم نحو الطبقة الوسطى

almizan.ma

نهاية ريع الإعفاءات الضريبية في المغرب.. الحكومة تعلن الحرب على “المحظوظين” وتوجه 32 مليار درهم نحو الطبقة الوسطى
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
بعد 40 سنة من اقتصاد الامتيازات والإعفاءات، يبدو أن المغرب قرر أخيرا أن يضع حدا لأكبر أنواع الريع وأكثرها كلفة على خزينة الدولة: *ريع الإعفاءات الضريبية.*
ففي سابقة تاريخية، كشف مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي قدمته وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي أمام البرلمان الأسبوع الماضي، عن خطة حكومية لإلغاء 70% من الإعفاءات الضريبية التي كان يستفيد منها كبار المنعشين العقاريين والفلاحين الكبار وقطاع التعليم الخصوصي والأطباء والمحامون، والتي كانت تكلف خزينة الدولة أكثر من 32 مليار درهم سنويا (3200 مليار سنتيم).
تحت شعار “العدالة الجبائية أولا”، أعلنت الحكومة أن زمن الريع الضريبي انتهى، وأن الهدف هو تحويل هذه الأموال لدعم الطبقة الوسطى وتمويل الدولة الاجتماعية.
أولا: ما هو ريع الإعفاء الضريبي؟ وكيف كان ينهب الميزانية؟
الإعفاء الضريبي هو أن تقول الدولة لفئة معينة: أنت لا تؤدي الضرائب. وكان المغرب من أكثر الدول سخاء في هذا المجال.
حسب تقرير مرفق بقانون المالية، والذي اطلعت عليه الجريدة، فإن المغرب كان يمنح 412 إعفاء ضريبيا مختلفا، تكلف 32.8 مليار درهم سنة 2025، موزعة كالتالي:
1. الإعفاء الفلاحي – أكبر ريع:
منذ 1984، الفلاحة معفاة من الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات. كان الهدف تشجيع الفلاح الصغير. لكن النتيجة أن الفلاح الصغير في الجديدة ومديونة لا يستفيد لأنه لا يصل للعتبة الضريبية أصلا، بينما الفلاح الكبير الذي يصدر الطماطم والفراولة لأوروبا ويربح 10 مليارات سنتيم سنويا، معفى بالكامل. هذا ريع فاحش كلف الدولة 12 مليار درهم سنويا.
2. ريع الإنعاش العقاري:
المنعشون العقاريون كانوا معفيين من الضريبة إذا بنوا سكنا اقتصاديا بـ 250 ألف درهم. فكانوا يبنون شققا رديئة بـ 15 مليون تكلفة ويبيعونها بـ 25 مليون، ويعفون من الضريبة على الأرباح التي تصل 40%. كلفة هذا الإعفاء: 7 مليارات درهم.
3. ريع التعليم الخصوصي والمصحات الخاصة:
المدارس الخاصة والمصحات كانت معفاة من الضريبة لمدة 5 سنوات ثم بضريبة مخفضة 10%. بينما تربح كل مدرسة خاصة متوسطة 500 مليون سنتيم صافي ربح سنويا. الكلفة: 4.5 مليار درهم.
4. ريع المهن الحرة:
المحامون، المهندسون، الأطباء، كانوا يستفيدون من نظام جزافي هزيل: طبيب يربح 100 ألف درهم شهريا يؤدي 3000 درهم ضريبة فقط. كلفة هذا الريع: 5 مليارات درهم.

ثانيا: ماذا جاء في قانون المالية 2027؟ قرارات صادمة للكبار
جاء مشروع قانون المالية 2027 بثلاث قرارات ثورية أنهت هذا الريع:
القرار الأول: نهاية الإعفاء الفلاحي الشامل – الضريبة على الفلاح الكبير
ابتداء من فاتح يناير 2027:
– الفلاح الذي رقم معاملاته أقل من 5 ملايين درهم (500 مليون سنتيم) سيبقى معفى 100% (وهذا يحمي 95% من فلاحي المغرب الصغار).
– الفلاح الذي رقم معاملاته بين 5 و20 مليون درهم سيؤدي ضريبة مخففة 10%.
– الفلاح الذي رقم معاملاته أكثر من 20 مليون درهم (الفلاح المصدر الكبير) سيؤدي الضريبة كاملة 20% كأي شركة. انتهى زمن التهرب.
القرار الثاني: نهاية إعفاء السكن الاقتصادي
إلغاء الإعفاء الضريبي للمنعشين العقاريين، وتعويضه بدعم مباشر للمواطن: الدولة ستمنح 10 ملايين سنتيم مباشرة للمواطن الذي يشتري سكنا أولا، بدل أن تمنح الإعفاء للمنعش. وهكذا نضمن وصول الدعم للمواطن وليس للمنعش.
القرار الثالث: الضريبة على المدارس والمصحات والمهن الحرة.
– المدارس الخصوصية التي يتجاوز رقم معاملاتها مليار سنتيم: ضريبة 20% بدل 10%.
– المصحات الخاصة الكبرى: ضريبة 30% بدل الإعفاء.
– الأطباء والمحامون: إلغاء النظام الجزافي، وفرض نظام حقيقي: كل طبيب يجب أن يتوفر على نظام فوترة إلكتروني مرتبط مباشرة بمديرية الضرائب.
وقال مصدر مسؤول بوزارة المالية للجريدة: لا يعقل أن أستاذا في التعليم العمومي يؤدي ضريبة 4000 درهم شهريا من المنبع، بينما طبيب مصحة خاصة يربح 20 مليون شهريا ويؤدي 3000 درهم. هذه ليست عدالة.
ثالثا: أين ستذهب 32 مليار درهم؟
الحكومة قالت إن هذه الأموال التي ستسترجع لن تذهب للميزانية العامة، بل ستخصص لثلاثة صناديق:
1. 15 مليار درهم لدعم الطبقة الوسطى: عبر تخفيض الضريبة على الدخل: الموظف الذي راتبه 10 آلاف درهم كان يؤدي 2000 درهم ضريبة، سيصبح يؤدي 800 درهم فقط.
2. 10 مليارات درهم لصندوق الدعم الاجتماعي المباشر: لرفع الدعم من 500 درهم إلى 800 درهم لكل أسرة فقيرة.
3. 7 مليارات درهم لدعم الفلاح الصغير والطرق القروية: لفك العزلة عن مناطق مثل مديونة والجديدة، ودعم البذور والأسمدة.
رابعا: صراخ الكبار – لوبيات الإعفاء تتحرك.
بالطبع، لم تمر هذه القرارات مرور الكرام. فقد تحركت لوبيات قوية:
– الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين هددت بتوقيف بناء السكن الاقتصادي.
– جمعية المصحات الخاصة قالت إنها سترفع أسعار العلاج.
– نقابة المحامين أعلنت عن إضراب وطني يوم 10 نونبر احتجاجا على الفوترة الإلكترونية.
لكن وزيرة المالية ردت بقوة في البرلمان: من يهددنا بتوقيف الاستثمار فليتوقف. المغرب لا يبتز. 40 سنة من الإعفاءات ولم نر تنمية، بل رأينا فوارق طبقية. حان وقت العدالة.
هل ينجح المغرب حيث فشل الآخرون؟
تجربة إلغاء ريع الإعفاءات الضريبية هي أخطر إصلاح اقتصادي في المغرب منذ 30 سنة. نجاحه يعني أن المغرب انتقل فعلا من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الحق والقانون. وفشله، بسبب ضغط اللوبيات، يعني استمرار نفس النموذج: فقراء يؤدون الضرائب وأغنياء معفيون.
اليوم، الكرة في ملعب البرلمان. هل سيصوت نواب الأمة، الذين أغلبهم من الفلاحين الكبار والمنعشين والأطباء، ضد مصالحهم لصالح العدالة الجبائية؟
التصويت النهائي يوم 15 دجنبر 2026 سيجيب، وسيحدد هل نحن فعلا أمام نهاية ريع الإعفاءات الضريبية، أم مجرد مناورة أخرى؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى