قانون المحاماة الجديد: ليست معركة المحامين وحدهم، بل معركتنا جميعا
الميزان/ الرباط: محمد ياسين
قد يظن كثيرون أن قانون المحاماة رقم 66.23 شأن يخص المحامين وحدهم، نزاع مهني حول امتيازات فئة محدودة. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير: المستهدف الحقيقي من إضعاف المحاماة ليس المحامي، بل نحن جميعا — المواطن، المتهم، المحتج، الموقوف في مخفر، الأب الذي قد يجد نفسه يوما أمام محضر لم يكتبه
لماذا نحن المستهدفون؟
لنفكر في الرحلة التي يقطعها أي مواطن حين تمسه السلطة القسرية: احتجاج أو شكاية، ثم اعتقال، ثم نيابة عامة، ثم محاكمة، ثم دفاع. في كل هذه الحلقات، المحامي هو الوحيد الذي يدخل معنا إلى الأماكن التي تمارس فيها الدولة سلطتها: المخفر، النيابة، قاعة التحقيق، السجن. هو الذي يكشف التعذيب إن وقع، ويشكك في محضر الشرطة، وينازع في مشروعية الاعتقال، وينقل ما يجري داخل جدران المحكمة إلى الرأي العام. المحامي المستقل هو آخر جدار يحمينا من أن تحتكر الدولة وحدها رواية ما جرى لنا.
فحين يضعف هذا الجدار، لا يخسر المحامي وظيفته وحده، بل نخسر جميعا قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا. القانون الجديد لا يمنع الدفاع في نصه، لكنه يصنع محاميا كفؤا تقنيا منزوع الجرأة، يخشى المتابعة التأديبية والتوقيف، يراقب نفسه قبل أن تراقبه السلطة، فيتراجع عن بعض ما يقتضيه الدفاع خوفا على مهنته. وهذا ما تسميه الدراسات الحقوقية «الأثر المخيف»: لا يقاس بعدد المحامين المعاقبين، بل بالخوف الذي يجعل الدفاع عنا أضعف قبل أن نطأ بأقدامنا المحكمة.
اختلال الميزان: تقوية الاتهام وإضعاف الدفاع
العدالة لا تستقيم إلا بثلاثة أركان متوازنة: قضاء مستقل، ونيابة عامة مستقلة لكن خاضعة للمساءلة، ودفاع حر محمي من الانتقام. ما جرى في المغرب هو العكس: منحت النيابة العامة استقلالا واسعا سنة 2017 حين نقلت رئاستها من وزير العدل إلى الوكيل العام، فصارت سلطة الاتهام أقوى وأبعد عن المساءلة السياسية المباشرة — دون أن يواكب ذلك أي تعزيز مماثل لسلطة الدفاع. بل جاء القانون الجديد ليضيق على المحامي أكثر. النتيجة: طرف الاتهام يتضخم، وطرف الدفاع يصغر. وهذا ليس إصلاحا للعدالة، بل إعادة توزيع غير متكافئ للقوة داخلها، على حسابنا نحن أولا.
لهذا الوقوف إلى جانب المحامي ليس تضامنا مع فئة، بل دفاع عن حقنا جميعا في محاكمة عادلة. حين ندافع عن استقلال المحاماة، فنحن ندافع عن الوحيد الذي سيقف بجانبنا يوم نحتاجه.
كيف تنظم الدول الديمقراطية هذه العلاقة؟
المقارنة تكشف حجم الخلل. في الدول الديمقراطية، تقوم العلاقة بين الدولة والمحاماة على مبدأ جوهري: تمارس المحاماة بحرية ودون أي تمييز أو تدخل غير مبرر من السلطات العامة، وتتولى الهيئات المهنية للمحامين وحدها — لا وزارة العدل ولا النيابة العامة — مسؤولية التأديب، على أن تظل قراراتها قابلة للطعن أمام قضاء مستقل.
والفكرة الحاكمة في هذه الدول أن المحامي لا يجوز أن يعاقب أو يهدد بسبب أدائه لمهامه، وأن لا يماهى بينه وبين موكله أو قضية موكله لمجرد دفاعه عنه. أي أن النظام يحمي جرأة المحامي بدل أن يعاقبها، لأنه يعتبرها ضمانة للمتقاضي لا امتيازا للمحامي. وهذا بالضبط عكس منطق القانون المغربي الجديد الذي يوسع قنوات تدخل القضاء والإدارة في التأديب، فيحول التأديب من أداة لضبط السلوك المهني إلى أداة ضغط سياسي مبطن.
لماذا الآن؟ سؤال التوقيت
نشر القانون في الجريدة الرسمية يوم 20 غشت 2026، قبل نحو شهر من انتخابات 23 شتنبر، وبعد عشرة أيام فقط من قرار المحكمة الدستورية بتعذر البت — وهو قرار جاء بسبب إحالة ناقصة أرسل فيها تقرير لجنة بدل النص النهائي. والأخطر أن هذا الخلل لم يصحح، بل استثمر: أصدر الظهير ونشر القانون بسرعة استثنائية بدل إعادة الإحالة سليمة لتفحصها المحكمة. توقيت يوحي بأن المقصود لم يكن حكما دستوريا في الجوهر، بل عبور محطة المحكمة شكليا قبل دخول البلاد مرحلة انتخابية غامضة.
وبالمقارنة، تأخرت مدونة الأسرة سنوات رغم جاهزية نصها، لأنها تمس كتلة انتخابية واسعة وقد تكلف الأحزاب أصواتا. أما قانون المحاماة، فمر مسرعا لأن كلفة مواجهة فئة محدودة أقل، وفائدة إخضاعها المؤسساتي أكبر. هذا التفاوت في السرعة يكشف سلم الأولويات الحقيقي: يؤجل ما قد يربك الانتخابات، ويسرع ما يحصن السلطة.
نداء
حين تخشى الدولة المستقبل، لا تكتفي بالتحكم فيمن يحكم، بل تسعى إلى التحكم فيمن يحتج، ومن يتابع، ومن يحاكم، وأخيرا فيمن يدافع. والدفاع هو آخر حلقة، وهو حلقتنا جميعا.
لا نترك المحامي وحده في هذه المعركة، لأنها في جوهرها ليست معركته وحده. حين ينزع عنه سلاحه، تنزع عنا حمايتنا. الوقوف إلى جانب استقلال المحاماة اليوم هو وقوف إلى جانب حقنا في الغد. فالسؤال ليس: من يدافع عن المحامي؟ بل: من سيدافع عنا نحن، حين يقص جناح من كان يفترض أن يدافع عنا؟