السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

مفارقة الاختيار في المغرب بين تدقيق التعيين ومسؤولية الانتخاب

الميزان/ آسفي: الدكتور عادل يالي

almizan.ma

مفارقة الاختيار في المغرب
بين تدقيق التعيين ومسؤولية الانتخاب
الميزان/ آسفي: الدكتور عادل يالي
حين تتجه إدارة عمومية إلى إسناد منصب مسؤولية، فإنها تطلب من المترشح، بحسب النظام المطبق، ما يثبت مؤهلاته وتجربته، وقدرته على اقتراح برنامج عمل والدفاع عنه أمام لجنة انتقاء. وحين يتجه المواطن إلى صندوق الاقتراع، فإنه يشارك في اختيار من سيتولى تمثيله والتأثير في شؤونه العامة. لكن قدرته على المفاضلة تضعف إذا افتقر إلى المعلومات اللازمة عن المرشح وحصيلة حزبه. هنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: لماذا تحظى ملاءمة الشخص للمنصب بعناية إجرائية واضحة في التعيين، بينما قد تتراجع الكفاءة والنزاهة أمام اعتبارات أخرى في الاختيار الانتخابي؟
يضبط الدستور المغربي أصل المسألة. فالفصل 2 يسند السيادة إلى الأمة، والفصل 11 يجعل حرية الانتخابات ونزاهتها وشفافيتها أساساً لمشروعية التمثيل الديمقراطي، ويلزم السلطات بالحياد بين المتنافسين. ويقرر الفصل 30 أن التصويت حق شخصي وواجب وطني. ومن هذه المبادئ تنطلق المطالبة بتحسين شروط الاختيار، من خلال إتاحة المعلومات وصون إرادة المواطن من الضغط والتضليل.
وللمقارنة حدود ينبغي احترامها. فالتعيين الإداري يستهدف إسناد وظيفة ذات مهام ومؤهلات محددة، بينما يتيح الانتخاب المفاضلة بين توجهات سياسية ومصالح وأولويات اجتماعية. ولا يختار الناخب موظفاً لدى الإدارة، وإنما ممثلاً يستمد شرعيته من أصوات المواطنين. غير أن اختلاف مصدر الشرعية لا يعفي المنتخب من مقتضيات حسن الأداء، ولا يجعل الفوز دليلاً كافياً على القدرة على تحمل المسؤولية.
في جانب التعيين، تحدد المادة 4 من القانون التنظيمي رقم 02.12 مبادئ ومعايير تخص المناصب المتداول في التعيين فيها بمجلس الحكومة طبقاً للفصل 92 من الدستور. وتشمل تكافؤ الفرص والاستحقاق والشفافية والمساواة وعدم التمييز، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية، ومستوى عال من التعليم والكفاءة اللازمة، والنزاهة والاستقامة والخبرة المهنية. وتكشف هذه القواعد عن غاية واضحة: بناء المفاضلة على عناصر يمكن فحصها، وربط إسناد المسؤولية بما تتطلبه الوظيفة من قدرات.
ويقدم المرسوم رقم 2.12.412 مثالاً عملياً لهذه العناية. ففي مسطرة الترشيح للمناصب المحددة في مادته 2، يُعلن فتح باب الترشيح، وتدرس لجنة الملفات وتنتقي للمقابلات ما لا يزيد على 7 مترشحين مستوفين للشروط، ثم تقدم إلى السلطة الحكومية المعنية قائمة لا تتجاوز 3 أسماء، مرفقة بتقرير. وخلال المقابلة، يعرض المترشح تصوره لأداء المهام وتحسينه. وبذلك يمر الاختيار، عند إجراء هذه المسطرة، عبر فحص شروط الولوج ومناقشة القدرة على ممارسة المسؤولية.
أما رؤساء الأقسام والمصالح بالإدارات العمومية، فيؤطر تعيينهم المرسوم رقم 2.11.681. ففي مسطرة الترشيح التي ينظمها، تفرض المادة 7 سيرة مهنية وبرنامجاً لتدبير الوحدة وتطوير أدائها، وتنص المادة 10 على ترتيب المنتقين بحسب الاستحقاق، وتقرر المادة 11 تقييم الأداء سنوياً. ويستثني المرسوم، في المادة 13 وعند ضرورة المصلحة، حالات تنقيل مسؤولين لممارسة المهام نفسها. والمعنى أن عناية النص بالاختيار تقترن، في المسطرة الأصلية، بمتابعة الأداء بعد إسناد المنصب.
ويمتد تأطير الاختيار إلى مناصب المسؤولية بالمؤسسات العمومية التي يشملها منشور رئيس الحكومة رقم 7/2013 الصادر في 29 أبريل 2013، مع استثناء المناصب الخاضعة للمرسوم رقم 2.12.412. وتتيح بوابة التشغيل العمومي الاطلاع على إعلانات المناصب العليا ومناصب المسؤولية والنصوص المؤطرة لها. وتمثل علانية الإعلانات مدخلاً لمعرفة متطلبات المنصب، مع بقاء الانتقاء من اختصاص الجهة المعنية، لا من اختصاص البوابة نفسها.
ولا تخضع جميع التعيينات العليا لهذه المسطرة؛ فالفصلان 49 و92 يميزان بين اختصاص المجلس الوزاري ومجلس الحكومة، وتوجد أنظمة خاصة. كذلك تتيح المادة 4 من المرسوم رقم 2.12.412 اقتراح مرشح بمبادرة السلطة المعنية عند غياب الترشيحات، أو بعد تعذر الانتقاء مجدداً إثر إعادة الدراسة. أما قائمة الأسماء، التي لا تتجاوز 3 وفق المادة نفسها، فلا يشترط النص ترتيبها بحسب الاستحقاق. لذلك، لا يصح تصوير التعيين كله باعتباره مباراة موحدة يحسمها صاحب أعلى نقطة.
كما أن وجود لجنة وملف ترشيح لا يضمن وحده اختيار الأفضل. فقيمة الإجراءات تتوقف على موضوعية المعايير واستقلال التقييم وإمكان مساءلة القرار. وإذا تحولت المقابلة إلى إجراء شكلي، أو صيغت الشروط لخدمة مرشح بعينه، ضعفت الغاية التي وضعت من أجلها. وتستقيم المقارنة حين نقيس المسارين بمدى احترامهما للكفاءة والنزاهة، دون منح التعيين حصانة من النقد.
عند هذا الحد يظهر جوهر المفارقة. فإذا كانت مسؤولية تدبير وحدة إدارية تستدعي عرض تجربة ومناقشة برنامج، فإن اختيار من يشارك في التشريع والرقابة، أو يسهم في تدبير شؤون جماعة ترابية، يستحق نقاشاً علنياً عن مؤهلاته وحصيلته ومشروعه. وقد يؤثر ضعف الاختيار في السياسة والتدبير المحلي في فرص التنمية وجودة الخدمات، بما يتجاوز حدود مهمة إدارية واحدة.
وتبدأ مسؤولية جودة العرض الانتخابي داخل الأحزاب. فالفصل 7 يسند إليها تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي، ويشترط ديمقراطية تنظيمها وتسييرها. وتدعم هذه الوظيفة المطالبة سياسياً بشرح معايير التزكية للرأي العام. فعندما تُقدَّم القدرة على تعبئة الأصوات على الاستقامة والخبرة، تصبح المفاضلة المتاحة للناخب محكومة بخلل سابق على دخوله المعزل. ولا تستقيم مساءلة المواطن وحده إذا غابت عنه معايير الترشيح والمعلومات اللازمة للمفاضلة.
ويحتاج الحديث عن الخروقات إلى التمييز بين المخالفة القانونية وضعف الاختيار السياسي. ففي انتخابات مجلس النواب، تجرّم المادة 62 من القانون التنظيمي رقم 27.11 الحصول أو محاولة الحصول على الأصوات بالهبات والمنافع أو الوعد بها، من نشر مرسوم تحديد تاريخ الاقتراع إلى إعلان النتائج. وتعاقب المادة 63 التأثير أو محاولة التأثير في التصويت بالعنف أو التهديد. أما ضعف الأداء، أو الانخداع بوعد غير قابل للتنفيذ، فلا يشكل بذاته جريمة. كذلك، فإن اختلاف اختيار المواطن عن تفضيلات الكاتب أو المحلل لا يجعله اختياراً سيئاً؛ المعيار هو صدق الالتزامات واحترام القانون وجودة الأداء.
وللتجاوزات شواهد تستحق الاستحضار بحدودها الدقيقة. فقد سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في تقريره عن انتخابات 8 شتنبر 2021، معاينة 13 محاولة لاستمالة ناخبين بهدايا أو تبرعات أو وعود في مراكز قليلة للتصويت. وسجل أيضاً أن الاقتراع جرى عموماً في أجواء هادئة، وأن حوادث العنف المرصودة كانت محدودة. وهذه معاينات لملاحظين تخص استحقاق 2021، وليست أحكاماً جنائية أو إحصاءً شاملاً لجميع الخروقات؛ فلا يجوز تحويلها إلى حكم على جميع الناخبين والمرشحين.
ويكشف القضاء بدوره أن حماية الإرادة الانتخابية تتجاوز الوعظ. ففي القرار رقم 190/22 الصادر في 5 يوليو 2022 بشأن دائرة الدريوش، ألغت المحكمة الدستورية انتخاب عضوين بمجلس النواب لأسباب مختلفة. تعلق أحدهما بانتقال مسؤول كان يسير حزبه إلى الترشح باسم حزب آخر قبيل الاقتراع، وهو سلوك اعتبرته المحكمة ماساً بمصداقية المؤسسة الحزبية ونزاهة الانتخابات. وتعلق الآخر بوقائع ثبتت لديها، شملت اقتحام مكاتب التصويت بالعنف وإدخال أوراق اقتراع لفائدة الحزب المعني. والإلغاء هنا نتيجة نظر المحكمة في طعن انتخابي؛ فالحكم بالعقوبة لا يؤدي بذاته إلى إلغاء الانتخاب، وفق المادة 61 من القانون التنظيمي رقم 27.11، مع بقاء أحكام الطعون الانتخابية قائمة.
أما أثر المال والقرابة والوساطة والوجاهة الاجتماعية في الاختيار، فينبغي مناقشته دون تجريح المواطنين أو احتقار أوضاعهم. فالقرابة لا تثبت فساد المرشح، كما أن الثراء لا يثبت كفاءته أو ينفيها. ويقع الخلل حين تحل هذه الاعتبارات محل فحص السلوك والحصيلة والبرنامج، أو حين تُستغل حاجة المواطن للحصول على صوته. وإذا أسهمت الهشاشة في إضعاف استقلال القرار، فإن ذلك لا يمنح من يستغلها مبرراً.
ومن حق الناخب أن يقترب من المرشح بأسئلة عملية: ما الذي أنجزه في مسؤولياته السابقة؟ وما الذي يستطيع إنجازه ضمن اختصاص المنصب الذي يطلبه؟ وكيف سيمول وعوده، وبأي آجال؟ وهل يتيح تقييم حصيلته ومساءلته؟ وحين يصوت المواطن للائحة حزبية، تُطرح الأسئلة نفسها على الحزب، لأن الثقة تشمل من يرشحهم وما يتبناه من التزامات. وتظهر جدية الاختيار حين يستطيع الناخب مقارنة إجابات محددة، بدل الاكتفاء بشعار أو شهرة.
ولا تعني الكفاءة الانتخابية حصر التمثيل في أصحاب الشهادات العليا. فقد يمتلك مرشح معرفة ميدانية وقرباً من قضايا الناس وقدرة على الوساطة والعمل الجماعي، دون مسار أكاديمي طويل. كما قد يحمل آخر شهادات مرموقة ويفتقر إلى الاستقامة أو الالتزام. والمطلوب هو فحص قدرته الفعلية على أداء المهمة، واستعداده للتعلم، واحترامه لمصالح من يمثلهم، مع الحفاظ على المساواة في الحقوق السياسية.
ولتجويد الاختيار، يجدر بالأحزاب أن تنشر، طوعاً وبصيغ واضحة، السير المهنية لمرشحيها وحصيلتهم ومعايير تزكيتهم، وأن تعرض برامج تميز بين ما يدخل ضمن صلاحيات المنتخب وما يتوقف على تدخل جهات أخرى. وتساعد المناظرات الجادة والصحافة التي تتحقق من الوقائع على تقليص المسافة بين الصورة الدعائية والقدرة الفعلية. أما السلطات العمومية، فتظل ملزمة بالحياد وعدم التمييز بين المترشحين بموجب الفصل 11، مع احترام ضمانة قرينة البراءة المقررة في الفصل 23.
وتكتمل مسؤولية المواطن بمتابعة من منحه صوته. فإعادة الانتخاب ينبغي أن تكون فرصة لتقييم الحصيلة، لا تجديداً تلقائياً للثقة. وينطبق منطق المتابعة أيضاً على المسؤول المعين، لأن استيفاء شروط الترشيح لا يغني عن إثبات جودة الأداء. وهكذا تلتقي المسطرتان في غاية واحدة: أن يجد المجتمع وسائل فعالة لاختيار المسؤول ومحاسبته، مع احترام الطبيعة القانونية لكل مسار.
إن المفارقة بين تدقيق التعيين واحتمالات التعثر في الاختيار الانتخابي تطرح حاجة إلى تعميم ثقافة الاستحقاق، مع حماية حق المواطنين في تقرير من يمثلهم. ومن مقتضيات تجويد التدبير أن توضح الإدارة أساس اختيارها وتتابع نتائجه، وأن تشرح الأحزاب تزكياتها، وأن يعرض المرشح مؤهلاته والتزاماته، وأن يحصل الناخب على معلومات تسمح له بالمفاضلة. حين تقترن حرية الصندوق بهذه العناية، تصبح الثقة الممنوحة أقرب إلى الكفاءة المطلوبة، ويكتسب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أثراً ملموساً في حياة الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى