قراءة لقرار المحكمة الدستورية بإلغاء بعض مواد القانون
الميزان/ أكادير: ذ/ الحسين بكار السباعي
قراءة لقرار المحكمة الدستورية بإلغاء بعض مواد القانون رقم 23/02 على ضوء الدستور المغربي والاجتهاد القضائي الدستوري المقارن
يعد القرار الصادر عن المحكمة الدستورية بتاريخ 4 غشت 2025 بشأن القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، محطة معيارية في تطور القضاء الدستوري المغربي، وذلك لما يتضمنه من فحص معمق للتوازنات الدقيقة بين متطلبات تحديث المنظومة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة، وإستقلال السلطة القضائية، وحماية الحقوق الأساسية لأطراف المخاصمة المدنية.
فبناء على طلب الإحالة وفقا لمقتضيات الفصل 132 من دستور 2011، الذي يجيز لرئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين عرض القوانين قبل إصدارها على المحكمة الدستورية، باشرت هذه الأخيرة رقابة مطابقة القانون للدستور، فلم تكتفي بالتدقق من صحة الإجراءات الشكلية للمسار التشريعي، بل مارست رقابة معيارية جوهرية مستلهمة من روح الفصول 1، و6، و107، و117، و120، و125 من دستور المملكة لسنة 2011، وهي الفصول التي ترسخ مبادئ دولة القانون وفصل السلط واستقلال القضاء وعلنية الجلسات،وضمان حقوق الدفاع ووجوب تعليل الأحكام القضائية.
لقد رصدت المحكمة الدستورية، ضمن مسار تحليلها عدة إختلالات جوهرية تمس بالأمن القضائي والمساواة أمام القانون، وهي عناصر مركزية بالنظر للفصل 6 من الدستور و الذي ينص على أن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له”.
لقد اعتبر تمكين النيابة العامة من طلب إلغاء أحكام قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به، دون ضوابط دقيقة، انتهاكا لمبدأ الأمن القضائي، و هو نفس المنحى الذي إستند إليه الإجهاد الدستوري الفرنسي منذ قرار المجلس الدستوري رقم 2010-39 QPC الصادر في 6 أكتوبر 2010، والذي أكد على أن إستقرار الأحكام القضائية النهائية جزء لا يتجزأ من الحق في المحاكمة العادلة، بل ومن متطلبات دولة القانون نفسها.
كما وقفت المحكمة على قصور في الضمانات المرتبطة بالتبليغ، من خلال اعتماد مصطلح “المصرح أو الظاهر”، الذي يفرغ الإجراءات القضائية من قوتها الإلزامية، وهو ما يناقض الفصول 117 و120 من الدستور، التي تؤكد على ضرورة صيانة حقوق الدفاع، واحترام ضمانات التبليغ الفعلي والمراقب.
أما بشأن الجلسات عن بعد، فقد أبانت المحكمة عن مقاربة حمائية للحقوق الأساسية، مؤكدة على أن أي تنظيم لهذا النمط من المحاكمة ينبغي أن يراعي علنية الجلسات، وحماية المعطيات الشخصية، وتكافؤ وسائل الدفاع، وفقا لما يقتضيه الفصل 120 من الدستور، ومع الإلتزام بالمعايير المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية خاصة المادة 14منه، وهي نفس الضمانات التي أكدت عليها المحكمة الدستورية الإسبانية في قرارها رقم 123/2019، الذي شددت فيه على أن الرقمنة في مجال العدالة لا يمكن أن تقدم على حساب المبادئ الدستورية الجوهرية للمحاكمة العادلة.
وقد أبرز القرار كذلك خللا يمس مبدأ التواجهية (Principe du contradictoire)، وذلك بعدم تمكين الأطراف من التعقيب على ملاحظات المفوض الملكي، وهو ما يتعارض مع الحق في محاكمة عادلة كما نص عليه الفصل 120، ويخالف توجهات الفقه والقضاء الدستوري المقارن، كما ورد في قرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 2011-192 QPC، الذي شدد على وجوب إتاحة الفرصة الكاملة للأطراف للتعقيب على كل ما يقدم من ملاحظات أو دفوعات.
ومن جهة أخرى، فإن سكوت القانون عن إلزامية تعليل بعض الأوامر القضائية يشكل انتهاكا صريحا للفصل 125 من الدستور، الذي ينص بوضوح على وجوب تعليل الأحكام تحت طائلة البطلان. وهو ما يتوافق مع ما قررته المحكمة الدستورية الإيطالية في قرارها رقم 172/2012، الذي أكد على أن غياب التعليل يخل بشرعية العمل القضائي ويقوض الثقة في مؤسسة القضاء.
وفي نقطة هامة جدا ، رفضت المحكمة مبدأ تخويل وزارة العدل صلاحية إحالة قضاة على محكمة النقض بدعوى تجاوز الإختصاص، معتبرة أن في ذلك تدخلا غير دستوري في إستقلال القضاء، ومخالفا للفصلين 107 و109 من الدستور، اللذين يكرسان إستقلال السلطة القضائية، ويحظران التدخل في أحكام القضاة أو التهديد بمساءلتهم خارج الضمانات التأديبية المقررة بمقتضى القانون وبإشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وهذا يتناغم مع ما ذهبت إليه المحكمة الدستورية الألمانية BVerfG في قرارها بتاريخ 6 يوليوز 2016، حين اعتبرت أن أية وصاية تنفيذية على القضاة، ولو بصيغة تأديبية، تخل بمبدأ إستقلال القضاء وتعد انتهاكا لروح النظام الدستوري.
هكذا نجد أن المحكمة الدستورية مارست دورا تأصيليا مهما يتجاوز الفحص الشكلي إلى رقابة معيارية قائمة على مبادئ سامية من روح الدستور، مما يعكس نضجا في إجتهادها وإرتقاء وظيفتها إلى مستوى ضمان التوازن الدستوري وحماية الحقوق الأساسية.
ختاما، إن هذا القرار يشكل لحظة تأسيسية لإعادة التفكير في فلسفة الإصلاحات التشريعية، بعيدا عن منطق التسريع الشكلي أو الإنبهار الرقمي، ويدعو إلى مقاربة متوازنة، تستحضر في آن واحد متطلبات نجاعة العمل القضائي، وضرورة الإحترام الصارم للضمانات الدستورية والمعايير الكونية للمحاكمة العادلة، وهو التحدي الحقيقي أمام المشرع المغربي في المرحلة المقبلة.
ذ/ الحسين بكار السباعي محام بهيئة المحامين بأكادير والعيون
مقبول لدى محكمة النقض.