“المعطوب” / خاطرة
الميزان/ الدار البيضاء: الدكتور سعيد الناوي
سألتني أنت عنه،
وكيف،
أو لماذا كان يلوي يديه من جهة الرسغ، ولا يعيدها سيرتها الأولى، حتى يكمل المباراة، ثم يعود أدراجه تلقاء دارهم السفلية جريا خفيفا وقدماه متسختان بالترى
وكل الحي ترى،
وحصى،
وبعض قطع من “البلاستيك” لا يصلح لشيء.!!
لقد كنا نسميه بالمعطوب، لأن ذراعه اليمنى عوجاء، لا تشبه ذراع أحد من الشباب أو الصغار ولا حتى الشيوخ، لسابقة عاشها، حينما كسرت ذراعه، ولم يجبر سوي الذراع، فبرأت ذراعه عوجاء. ولهذا لقبه أقرانه بالمعطوب.
عن نفسي، وكنت أصغر منه،
كنت شبه معجب باعوجاج يده الصغرى التي كنت أظن أنها لا يمكن أن يفتعل هو اعوجاجها،
إلا لأنها تدل على مهارته في لعب كرة القدم !، وإلا كيف يستطيع هو أن ببقي على يده عوجاء طيلة ساعة كاملة من اللعب؟، ثم يعود أدراجه إلى دارهم السفلية متسخ الساقين، بلباس اللعب الذي لا يتغير، لأنه لا يملك غيره، كبقية أبناء الدرب الذين تساووا في فقرهم، رغم “عنطزية” البعض،
وأكبر ما في الجوز فارغ !!
ولهذا كان شيوخ الدرب بين نجار،
وبائع فواكه متجول،
وسائق عربة مجرورة بحصان،
أو أجير بشركة السكر،
وقد سرحوه لضبطه متلبسا بحيازة هرمين من السكر بدون سند،!
أو ممرضا متقاعدا،
والباقي بدون عمل !.
المهم أن الدرب كان يعيش الاشتراكية، دون أن يكون لها عارفا، وكانت اشتراكيته من نوع خاص تتجلى في تشابه الأسر والبيوت، وحتى من كان تحت خط الصفر، كان قريبا من الباقين،
بل كان لاعبا محترفا للورق،
يتكلم اللغة الإسبانية بطريقته
فيعرب بعض الحروف “كالضوس اشباضة”؛
و “الراي”،
و “الاس كوباس”، المختلف عن اللاص سيوف”…، !!
وقد ترى المسحوق من اللاعبين للورق أو للشطرنج التقليدي المكنى عندنا “بالضامه” ، متحاملا على من كان قبل تقاعده ممرضا ،
أو أجيرا أو بناء، فيخسر هذا الأخير، أمام من هو مسحوق أكثر منه!
ثم إنه لابد أن يتحمل الخاسر للورق أو “للضامه”، عودا صغيرا فوق أذته للدلالة على أنه “حمار”؟!،
لا ينفك عنه إلا إذا فاز في اللعبة الموالية، فإذا وقع، خلع عنه علامة الحمير !
وقد يكون غير محظوظ !
فيخسر ثانيا، ليحمل فوق أذته، عودا ثانيا، للدلالة على أنه حمار
و قد يحمل أكثر من عود، فوق هذه الأذن وفوق الأخرى، لتأكيد الوصف الذي يتسبب في تحويل الجلسة إلى نوع من الفرجة، سبب الخسارة في لعب الورق أو شطرنج البسطاء.
وقد تزيد الحفلة توهجا، حينما يحكم الفائزون، على الخاسر، بتكليف أهله لإعداد الشاي بجميع مقومات الشاي التي لابد لها من كؤوس نقية،
وإبريق فضة
ونعناع أخضر قد لا يكون مواليا لقبيلة الخاسر .
فيكون نعناعا عبديا، إذا كان الخاسر دكاليا،
وقد يكون مكناسيا، ولو أن النعناع المكناسي ممقوت لأسباب لا يعلمها إلا شيوخ الدرب!
وقد تحلو الفرجة أكثر حينما يقوم الخاسر وفوق أذنيه أكثر من عود، ليأتي من بيته بالشاي،
فترى زوجته خيبته،
وتشهد على تخليه عن صفة الخيول، والتحاقه بحظيرة الحمير!!
ولهذا، فهو يبحث عن إنقاص “الحمير”من فوق أذنيه !!،
ورد الضربة لأحد من الاعبين .
الأهم ليس العيدان ،
ولا الصفة اللصيقة بالخاسر، لأنها مؤقتة،
و الدنيا دوراة ،
ومن كان يضع العود فوق أذن الآخر، فد توضع العيدان فوف أذنيه!؟
ولهذا، كنت أنظر إلى بعض الآذان، فأراها بحجم صفحة دفتر المنزل، قابلة لتحتلها العيدان وكأنها حمالة طائرات!
المهم أكثر، هو أن والد المعطوب، لم يحمل فوق أذنه شيئآ،
لأنه لم يكن من هواة اللعب.
قد كانت هوايته أن يحمل عودا مختلفا مخروم الرأس والقدم، يستطيع من خلاله استنشاق “الكيف”، و “نغنغة النفس”، التي ملت من تسليك مجاري الواد الحار كل يوم،
طالما أن الدنيا كالماء المذكور “حارة ” ،”عفنة،” متعفنة”،
والولد معطوب برأ بعيبه !
قد يكون ” المخذر” الأخضر سببا جعل العسكري والد المعطوب غافلا، لم ينتبه إلى اعوجاج ذراع ولده!؟
لكنني لم أجد سببا يجعل ولده يدير أصابع يده نحو الأرض وهو يلعب وكأنها عوجاء، إلا رغبته في التفنن!!
ومع الاستثناء والاستثناء،
ومع كل هذا، لم أجد سببا يقنعني بإخلاء المعطوب وأمه للدار السفلية!
أن أرى “امي السعدية :، تفترش الأرض، وحولها بغص أثاث بيتها الذي لم تكن تملك غيره !!
لربما أن المعطوب كان يوحى إليه بشكل مختلف عن ما يأتي به الوحي…
من أن المآل كان شبه معلوم: “عيدان فوق الآذان،
واعوجاج،
ودوخان،
واشتراكية من نوع خاص..
سعيد الناوي غفر الله له و تجاوز عنه