الفقه والشريعةقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

فضل العشر الأواخر من رمضان وهدي النبي ﷺ فيها

الميزان/ الجديدة: الدكتور: عبد الرحيم أشن

almizan.ma

فضل العشر الأواخر من رمضان وهدي النبي ﷺ فيها
الميزان/ الجديدة: الدكتور: عبد الرحيم أشن
مقدمة:
تمرُّ في حياة الإنسان مواسمُ ربانية تُفتح فيها أبواب الرحمة، وتتنزل فيها السكينة، وتتهيأ فيها القلوب للعودة إلى الله تعالى.
ومن أعظم هذه المواسم العشر الأواخر من شهر رمضان؛ فهي خلاصة الشهر وروحه، وخاتمته التي تُتوَّج فيها الطاعات، وتُعتق فيها الرقاب، وتُغفر فيها الذنوب.
إنها أيامٌ وليالٍ ليست كسائر الأيام؛ فهي مرحلة التكثيف الروحي والتربوي في مسيرة الصائم، حيث ينتقل المؤمن من مجرد أداء العبادات إلى العيش الكامل مع الله تعالى: قلباً وروحاً وسلوكاً.
ولذلك كان هدي النبي ﷺ في هذه الأيام مميزاً ومكثفاً، حتى قالت أم المؤمنين:
“*كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها*”.
وهذا البحث سيحاول بعون الله تقديم قراءة تربوية روحية نفسية عملية لفضل هذه الأيام المباركة، مع استلهام الهدي النبوي فيها، وتحويله إلى برنامج حياة يوقظ القلوب ويجدد العلاقة بالله.
الفصل الأول: الله منزلة العشر الأواخر من رمضان في الإسلام:
العشر الأواخر هي ذروة شهر رمضان وخلاصته، وهي مرحلة تتضاعف فيها البركات والأنوار.
وقد دلّت النصوص الشرعية على علو منزلتها، ومن ذلك قول النبي ﷺ:
“تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان”*.
مظاهر فضل هذه الأيام*:
1 ـ وجود ليلة القدر فيها؛ وهي أعظم ليلة في السنة كلها.
قال الله تعالى: “ليلة القدر خير من ألف شهر”.. أي أن العبادة فيها تعادل عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة.
2 ـ تضاعف الأجور؛
فالأعمال في هذه الليالي ليست كغيرها، بل هي مواسم مضاعفة للأجر والثواب.
3 ـ فرص العتق من النار:
فهي ليالٍ تتنزل فيها الرحمات وتكثر فيها المغفرة.
4 ـ ختام الشهر:
والخواتيم لها وزنها العظيم في ميزان الأعمال.
قال بعض السلف: “إنما العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات”.
الفصل الثاني: الحكمة التربوية من العشر الأواخر:
العشر الأواخر ليست مجرد فترة زمنية، بل هي منهج تربوي إلهي لإعادة تشكيل القلب.
أولاً: تدريب النفس على الاجتهاد في الخاتمة:
الإنسان غالباً ما يفتر بعد طول العمل، فجاءت هذه الأيام لتقول للمؤمن:
لا تتوقف قبل خط النهاية.
وهذا يربي في النفس:
– الصبر؛
– الثبات؛
– قوة الإرادة.
ثانياً: تربية القلب على التعلق بالله: في هذه الأيام يتعلم المؤمن أن:
الراحة ليست في النوم…
بل في القرب من الله.
ثالثاً: إعادة ترتيب الأولويات: فالعشر الأواخر تعلّم الإنسان أن:
– العبادة أولاً؛
– القرب من الله أولاً؛
– تزكية القلب أولاً.
الفصل الثالث: الهدي النبوي في العشر الأواخر:
لقد كان النبي ﷺ يجعل هذه الأيام موسماً استثنائياً من العبادة.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:”كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”.
وهذا الحديث يلخص لنا ثلاثة معالم عظيمة من هديه ﷺ.
أولاً: شدّ المئزر (الاجتهاد الكامل):
ومعناه أنه كان:
– يجتهد في العبادة؛
– يترك الانشغال بالدنيا؛
– يركز قلبه كله على الله؛
وكان هذا الاجتهاد يشمل:
– الصلاة؛
– الذكر؛
– الدعاء؛
– قراءة القرآن.
الدرس التربوي:
الإنسان يحتاج أحياناً إلى محطات تركيز روحي مكثف.
والعشر الأواخر هي هذه المحطة.
ثانياً: إحياء الليل:
كان النبي ﷺ يحيي الليل بالصلاة والذكر.
وكان قيام الليل في هذه الأيام طويلاً ومؤثراً.
قال الله تعالى:”ومن الليل فتهجد به نافلة لك”؛
الأثر النفسي لقيام الليل: قيام الليل له تأثير عميق في النفس:
– يهدئ القلق؛
– يصفّي القلب؛
– يقوي الصلة بالله..
وقد أثبتت الدراسات النفسية أن لحظات السكون الليلي تعزز الصفاء الذهني والاستقرار النفسي.
ولهذا كان قيام الليل مدرسة لتربية القلب.
ثالثاً: إيقاظ الأهل: لم يكن النبي ﷺ يكتفي بالعبادة وحده، بل كان يوقظ أهله للقيام.
وهذا يدل على أن العبادة في الإسلام ليست تجربة فردية فقط، بل هي مشروع أسري.
الدرس التربوي للأسرة: العشر الأواخر فرصة لبناء:
– الأسرة العابدة؛
– البيت القرآني؛
– البيت الذي يجتمع فيه الدعاء والذكر.
الفصل الرابع: الاعتكاف… قمة التربية الروحية:
من أعظم هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر الاعتكاف.
وكان يعتكف في المسجد طلباً لليلة القدر.
معنى الاعتكاف:
الاعتكاف هو: الانقطاع المؤقت عن الدنيا للتفرغ الكامل لله.
أهداف الاعتكاف:
– تصفية القلب؛
– مراجعة النفس؛
– التوبة؛
– تجديد العلاقة بالله؛
الأثر النفسي للاعتكاف: الاعتكاف يشبه ما يسمى في علم النفس الحديث: الخلوة العلاجية أو إعادة الضبط الداخلي.
فهو يمنح الإنسان فرصة:
– للتفكير؛
– للتأمل؛
– لمراجعة الحياة.
الفصل الخامس: ليلة القدر… أعظم ليلة في العمر، ليلة القدر هي قلب العشر الأواخر.
قال الله تعالى: “إنا أنزلناه في ليلة القدر”؛
لماذا هي ليلة عظيمة؟
– فيها نزل القرآن؛
– فيها تتنزل الملائكة؛
– فيها السلام والسكينة؛
– فيها تتغير الأقدار بالدعاء..
أفضل دعاء فيها:
سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: “يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟”
فقال: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
وهذا الدعاء يجمع:
– الاعتراف بالذنب؛
– طلب العفو؛
– الرجاء في رحمة الله..

الفصل السادس: الآثار النفسية والوجدانية للعشر الأواخر: العشر الأواخر ليست فقط عبادة، بل هي عملية شفاء روحي ونفسي.
1 ـ تطهير القلب:
فالإكثار من الذكر والقرآن يزيل:
– القلق؛
– الهم؛
– الغفلة.
2 ـ استعادة التوازن النفسي: فالإنسان يعيش ضغوط الحياة، وهذه الأيام تعيد له السكينة الداخلية.
3 ـ تعزيز الأمل: الدعاء في هذه الليالي يزرع في القلب:
– الأمل؛
– الثقة بالله؛
– التفاؤل.

الفصل السابع:
برنامج عملي للعشر الأواخر:
حتى تتحول هذه الأيام إلى تجربة روحية حقيقية يمكن اتباع البرنامج التالي.
أولاً: برنامج الليل:
– صلاة العشاء في جماعة؛
– صلاة التراويح؛
– جزء من القرآن؛
– قيام الليل؛
– الدعاء الطويل؛
– الاستغفار.
ثانياً: برنامج النهار:
– المحافظة على الصلوات؛
– قراءة القرآن؛
– الصدقة؛
– صلة الرحم؛
– الإكثار من الذكر..
ثالثاً: برنامج القلب:
في هذه الأيام حاول أن:
– تسامح من أساء إليك؛
– تراجع حياتك؛
– تضع أهدافاً جديدة بعد رمضان.
الفصل الثامن: أخطاء يقع فيها بعض الناس:
1 ـ الكسل في آخر الشهر: بعض الناس ينشط في أول رمضان ثم يفتر في آخره.
وهذا عكس الهدي النبوي.
2 ـ الانشغال بالأسواق:
تنشغل بعض الأسر بالتحضير للعيد وتنسى أعظم ليالي السنة.
3 ـ العبادة بلا حضور قلب:
المقصود ليس كثرة الأعمال فقط، بل حضور القلب فيها.
خاتمة:
العشر الأواخر من رمضان هي فرصة العمر لكل من يريد أن يبدأ حياة جديدة مع الله.
هي أيام:
– لتجديد الإيمان؛
– لتطهير القلب؛
– لإصلاح النفس؛
– لفتح صفحة جديدة مع الله.
وقد كان النبي ﷺ يجعلها أياماً مختلفة عن بقية أيام السنة، يجتهد فيها غاية الاجتهاد.
فلنغتنم هذه الليالي المباركة،   ولنجعلها محطة حقيقية للتغيير، حتى نخرج من رمضان بقلوب جديدة ونفوس أقرب إلى الله.
قال بعض السلف:
إنما العبرة بكمال النهايات”.
فليكن ختام رمضان أجمل من بدايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى