حين تموت كلمة «عيب»… من يربي الأجيال؟.
الميزان/ الدار البيضاء: محمد تامر
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتختلط فيه المفاهيم، رحلت بصمت كلمة كانت يومًا عماد التربية وضابط السلوك: كلمة «عيب».
كلمة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت تختزل منظومة أخلاقية متكاملة، وتحمل في طياتها تربية، واحترامًا، وحدودًا واضحة للسلوك الفردي والجماعي.
لم تكن «عيب» أداة قمع، ولا وسيلة كبت، كما يُصوَّر لها اليوم، بل كانت لغة تهذيب راقية، تعتمد على الوعي الجمعي أكثر مما تعتمد على العقاب. كانت الكلمة التي يتدخل بها الآباء والأمهات والأجداد لضبط السلوك دون جرح، وتصحيح المسار دون إهانة.
في حضرة «عيب»، تعلّم الصغير كيف يوقّر الكبير، وتعلّم الجار احترام جاره، وحُفظت صلة الرحم، واستقامت العلاقات داخل الأسرة والمجتمع.
كانت «عيب» قانونًا أخلاقيًا غير مكتوب، لكنه حاضر بقوة في البيوت، وفي الأزقة، وفي المدارس، وفي المجالس.
لقد شكّلت كلمة «عيب» ما يشبه أكاديمية اجتماعية مفتوحة، تخرّجت منها نساء صابرات شريكات في بناء الأسرة والمجتمع، ورجال تحلّوا بالشهامة والرجولة وتحمل المسؤولية.
وكانت دروسها المجانية تفوق في قيمتها آلاف الدورات المدفوعة التي تُقدَّم اليوم تحت عناوين التنمية والتوجيه السلوكي.
كان الأب يقول: «عيب… سلِّم… سامح»،
فتختصر الجملة مسارًا كاملًا للتربية على الاحترام، والتواضع، والتعايش. وكانت الأم، والعمة، والخالة، والجارة، جميعهن شريكات في حماية هذه المنظومة القيمية.
اليوم، ومع تراجع مكانة هذه الكلمة، يُطرح السؤال بقلق مشروع:
من يضبط السلوك؟ ومن يعلّم الذوق؟ ومن يضع الحدود؟
هل تكفي القوانين وحدها؟ أم أن المجتمع يحتاج، إلى جانب النصوص القانونية، إلى ضمير جمعي يذكّر بأن بعض الأفعال ليست فقط مخالفة للنظام، بل… عيب.
إن استعادة كلمة «عيب» لا تعني العودة إلى التشدد أو الحجر على الحريات، بل تعني إعادة الاعتبار للتربية القيمية، وللغة الاحترام المتبادل، وللحد الأدنى من الذوق العام الذي لا تستقيم المجتمعات بدونه.
رحم الله كلمة «عيب»،
ورحم معها زمنًا استطاع أن يبني أجيالًا كاملة بكلمة واحدة،
أجيالًا عرفت الأدب قبل المطالبة بالحقوق،
وعرفت الاحترام قبل رفع الصوت..