السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

من يتستر على الاحتلال غير القانوني للسكن الوظيفي؟

الميزان/ بوزنيقة: د. ربيع الكرعي

almizan.ma

من يتستر على الاحتلال غير القانوني للسكن الوظيفي؟
الميزان/ بوزنيقة: د. ربيع الكرعي
يتصاعد الجدل حول وضعية بعض السكنيات الوظيفية التابعة للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا، بعدما كشفت معطيات عن استمرار شغل مساكن من طرف مسؤولين وموظفين سابقين رغم انتهاء مهامهم أو إحالتهم على التقاعد، في خرق واضح للقانون.
الملف الذي وضعته الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان على طاولة وزير الصحة يثير تساؤلات محرجة: كيف يستمر احتلال ممتلكات وظيفية دون سند؟ وأين هي آليات المراقبة والتتبع داخل مؤسسة يفترض أنها نموذج في الحكامة؟
قانونياً، السكن الوظيفي وضع مؤقت مرتبط حصراً بطبيعة المهام، وزوال الصفة الوظيفية يُسقط أي حق في الاستمرار. كما أن اجتهادات محكمة النقض حسمت في أن الإبقاء على السكن بعد انتهاء المهام يشكل احتلالاً بغير حق يبرر مسطرة الإفراغ الاستعجالي، تكريساً لمبدأ حماية المال العام وتغليب المصلحة العامة.
ولم يقف الأمر عند البعد القانوني، بل خلف هذا الوضع استياءً واسعاً في صفوف مهنيي الصحة العاملين بالمركز، الذين يعتبرون أن استمرار هذه الامتيازات غير المشروعة يضرب في العمق مبادئ الإنصاف والعدالة والاستحقاق، ويحرم أطرًا تشتغل ليل نهار من حق مرتبط حصراً بطبيعة مهامها ومسؤولياتها.
غير أن خطورة الملف لا تقف عند حدود التدبير الإداري، بل تمتد إلى مستوى المسؤولية السياسية المباشرة. فوزير الصحة، بصفته المسؤول الأول عن القطاع، مطالب بتوضيح موقفه للرأي العام: هل فُتح تحقيق فعلي ومستقل؟ هل أُنجز جرد شامل ومحيّن للسكنيات الوظيفية؟ ومن سيُحاسَب إن ثبت التقصير أو التواطؤ؟
خصوصاً وأن هذا الملف تعزز بوجود شكايات ومراسلات رسمية صادرة عن هيئات حقوقية ونقابية وسياسية، وضعت الوزارة أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية واضحة. إن تجاهل هذه التنبيهات أو التأخر في الحسم فيها لا يمكن أن يُقرأ إلا كإخلال بواجب الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويأتي ذلك في سياق يعرف فيه الشارع المغربي موجة احتجاجات ومطالب متزايدة من أجل منظومة صحية عادلة ومنصفة، تضمن تكافؤ الفرص وحسن تدبير الموارد، بعيداً عن أي شبهة امتياز أو ريع. كما أن الوزارة نفسها ترفع شعار الإصلاح وتحديث القطاع وتعزيز الحكامة، وهو ما يجعل هذا الملف اختباراً عملياً لمدى انسجام الخطاب مع الممارسة.
اليوم، لم يعد الأمر مجرد إشكال تدبيري داخلي، بل اختبار حقيقي لمدى التزام القطاع بمبادئ الحكامة الجيدة وصون الممتلكات الوظيفية من كل أشكال الانتفاع غير المشروع. كما أن التعامل بحزم وصرامة مع هذا الملف يشكل المدخل الأساس لاسترجاع الثقة في المنظومة الصحية، بعد سنوات من التراكمات التي أضعفت ثقة المغاربة في نظامهم الصحي. فالمواطن الذي ينتظر خدمة صحية لائقة لا يمكن أن يقتنع بشعارات الإصلاح في ظل استمرار مظاهر الريع أو التساهل في حماية المال العام.
فهل ينفي الوزير بشكل واضح وجود أي حالات احتلال خارج الإطار القانوني؟ وهل يلتزم بنشر لائحة رسمية ومحينة للمستفيدين ومعايير الاستفادة؟ وإذا ثبت وجود استمرار غير مشروع، فهل سيتم ترتيب الجزاءات الإدارية والقانونية دون انتقائية؟ أم أن منطق التستر والتغاضي سيظل أقوى من منطق المحاسبة؟ ثم إن سؤالاً يفرض نفسه بإلحاح أمام الرأي العام: هل هذا التغاضي – إن ثبت وجوده – مجاني أم أن وراءه كلفة خفية تدفعها منظومة يفترض فيها حماية المال العام؟
إن خطورة المرحلة تفرض الحسم، لأن استمرار الغموض في هذا الملف قد يُكرّس انطباعاً عاماً بأن بعض الامتيازات تتحصن داخل دوائر النفوذ بعيداً عن المساءلة، وهو ما من شأنه أن يغذي خطاب الريع ويقوض الثقة في جدية شعارات الإصلاح. أما الحزم والصرامة في تطبيق القانون، دون استثناء أو تمييز، فهما السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لمبدأ المساواة أمام القانون، وبعث رسالة واضحة مفادها أن زمن الإفلات من المحاسبة قد ولى.
الرأي العام اليوم ينتظر أجوبة صريحة وإجراءات ملموسة، لأن استرجاع الثقة في المنظومة الصحية لن يتحقق بالتصريحات، بل بقرارات شجاعة تعيد الاعتبار للشفافية، وتحمي المال العام، وتؤكد أن الإصلاح فعل قبل أن يكون شعاراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى