الإضراب الذي أعاد تعريف العدل في نظر المواطن
الميزان/ الرباط : متابعة*
لم يكن إضراب العدول حدثا عاديا يمكن إدراجه ضمن خانة الاحتجاجات المهنية التقليدية بل تحول في عمقه إلى لحظة فاصلة أعادت ترتيب العلاقة بين المواطن ومهنة ظلت لسنوات حبيسة الصور النمطية وسوء التقدير.
ففي الوقت الذي كان فيه البعض يختزل دور العدل في مجرد إجراء شكلي داخل مسار التوثيق جاء الإضراب ليكشف بشكل صادم حجم الفراغ الذي يخلفه غيابه. معاملات متوقفة مصالح معلّقة وقلق يومي يطرق أبواب المواطنين… مشهد لم يكن في الحسبان لكنه كان كفيلا بإعادة طرح السؤال الجوهري:
من هو العدل فعلا؟
الجواب لم يعد نظريا، المواطن الذي وجد نفسه وجها لوجه مع آثار الإضراب أدرك أن العدل ليس رقما مكملا في منظومة إدارية بل هو أحد أعمدتها الصلبة. أدرك كذلك أن الأمن التعاقدي الذي يبدو بديهيا في زمن الاستقرار هو في الحقيقة ثمرة عمل دقيق ومركب يقوم به العدل في صمت.
هنا تحديدا تتجلى إحدى أقوى مفارقات الإضراب: فبينما كان الهدف منه الضغط من أجل انتزاع حقوق مهنية مشروعة انتهى به الأمر إلى تحقيق مكسب رمزي بالغ الأهمية يتمثل في إعادة الاعتبار المجتمعي للمهنة. لقد تحول الإضراب من فعل احتجاجي إلى لحظة وعي جماعي ومن صراع مهني إلى درس عمومي في قيمة العدالة التوثيقية. بل الأكثر دلالة أن هذا التحول لم تصنعه الخطب ولا البيانات بل صنعه الواقع، واقع توقف فيه الزمن الإداري فتكلمت المصالح المتضررة بلسان أوضح من أي خطاب. وهنا تكمن قوة اللحظة:
حين يصبح المواطن نفسه شاهدا على ضرورة إصلاح وضعية العدل لا مجرد متفرج على مطالبه.
إن ما بعد هذا الإضراب لن يكون كما قبله، فقد انكشفت حقيقة طالما تم تجاهلها: لا يمكن الحديث عن استقرار المعاملات ولا عن حماية الحقوق دون عدول في وضع مهني عادل ومستقر ومن ثم فإن أي مقاربة إصلاحية تتجاهل هذا المعطى إنما تعيد إنتاج الأزمة بشكل مؤجل.
إنها لحظة حقيقة… لحظة أعاد فيها الإضراب تعريف العدل ليس فقط داخل المنظومة بل في وعي المواطن نفسه وهو مكسب لا يقل أهمية عن أي مطلب مهني آخر لأنه يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: عدالة تعاقدية لا تختزل وعدول لا يمكن تجاوزهم.
*عبد الرزاق بوعزاوي سلا