الخطاب الملكي ومعادلة المغرب الصاعد
الميزان/ آسفي: الدكتور عادل يالي
الخطاب الملكي ومعادلة المغرب الصاعد: الاستقرار قوة، والسيادة قدرة، والعدالة معيار
قراءة في رؤية ملكية تجعل من نجاعة الدولة والإنتاج الوطني والتمويل الداخلي والإنصاف المجالي ركائز لمغرب صاعد
الدكتور عادل يالي باحث في العلوم القانونية والسياسية
لا تقاس قوة الخطابات الاستراتيجية بعدد الملفات التي تستعرضها، ولا بكثافة الأرقام التي تتضمنها، وإنما بقدرتها على تحويل الوقائع المتفرقة إلى رؤية متماسكة، وعلى إقامة علاقة واضحة بين ما تحقق، وما ينبغي تحصينه، وما يتعين بناؤه في المستقبل. ومن هذه الزاوية، يكتسب الخطاب الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، إلى الشعب المغربي مساء 29 يوليوز 2026، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء جلالته عرش أسلافه الميامين، مكانته بوصفه خطابا يعيد تركيب عناصر القوة المغربية داخل معادلة واحدة، تتجاوز منطق الحصيلة القطاعية إلى منطق الدولة الاستراتيجية.
فالخطاب لم يقل فقط إن المغرب مستقر، أو إن اقتصاده ينمو، أو إن صناعته تتقدم، أو إن قطاعه المالي مطالب بتوسيع التمويل؛ بل أقام بين هذه العناصر علاقة سببية دقيقة: الاستقرار يخلق الثقة، والثقة تشجع الاستثمار، والاستثمار يقوي الإنتاج، والإنتاج يعزز السيادة، والتمويل الداخلي يضمن استمرار التحول، بينما تمنح العدالة الاجتماعية والمجالية لهذا التحول غايته الإنسانية ومشروعيته الوطنية.
وهذه، في تقديرنا، هي الأطروحة العميقة للخطاب: قوة المغرب ليست حصيلة جمع آلي لمقومات منفصلة، وإنما نتيجة حسن انتظامها داخل مشروع دولة متكامل.
بدأ الخطاب من الأصل الأخلاقي للسلطة، حين قدم جلالة الملك أمانة قيادة الشعب باعتبارها مسؤولية عظيمة وجسيمة، غايتها خدمة المواطنين وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم، لا البحث عن مجد شخصي أو عن اعتراف بدور قيادي قاريا أو دوليا. ولم تكن هذه البداية مجرد تمهيد وجداني أو احتفالي، بل كانت المفتاح الذي يضبط معنى كل ما جاء بعدها؛ لأن الصناعة والاستثمار والتمويل والسيادة لا تمثل غايات مستقلة، وإنما وسائل لخدمة الإنسان وصيانة كرامته والاستجابة لانشغالاته.
ومن ثم، فإن المعيار الذي يقترحه الخطاب لتقويم السياسات لا يقتصر على حجم الموارد المرصودة، أو عدد المشاريع المفتوحة، أو نسبة النمو المسجلة؛ بل يمتد إلى الأثر الذي تحدثه هذه السياسات في حياة المواطن. فقد تحقق الدولة مؤشرات اقتصادية مهمة، غير أن النجاح يظل ناقصا إذا لم تتحول تلك المؤشرات إلى فرص للشغل، وتحسن في الدخل والخدمات، وقدرة على الارتقاء الاجتماعي، وتقليص للفوارق بين الجهات والمجالات.
لهذا لم تكن العدالة الاجتماعية والمجالية خاتمة عرضية للخطاب الاقتصادي، وإنما كانت نتيجته المنطقية. فالخطاب يبدأ بخدمة المواطن وينتهي بتحسين ظروف عيشه؛ وما بين البداية والنهاية، يعرض الأدوات المؤسسية والإنتاجية والتمويلية اللازمة لتحقيق هذه الغاية.
وتتمثل إحدى أهم نقاط قوة الخطاب في رفضه الاختيار بين الاعتزاز بالمكتسبات والنقد الذاتي. فقد عبر جلالة الملك عن الفخر بما تحقق وعن التفاؤل بالمستقبل، لكنه ميز ذلك بوضوح عن الرضا عن الذات. وهذا التمييز بالغ الدقة؛ لأن الدول تحتاج إلى الثقة كي تواصل التقدم، لكنها تحتاج كذلك إلى التقويم كي لا تتحول الثقة إلى اكتفاء، أو الإنجازات إلى مبرر لتأجيل الإصلاح.
فالاعتزاز الذي يتجاهل الاختلالات قد ينتج الجمود، والنقد الذي ينكر كل المكتسبات قد ينتج اليأس. أما الجمع بينهما، فيؤسس لما يمكن تسميته الثقة النقدية: ثقة تستند إلى المنجز، لكنها تظل منفتحة على التصحيح؛ وطمأنينة لا تلغي اليقظة؛ وتفاؤل لا ينفصل عن العمل.
ويتعزز هذا المعنى بما ورد في الخطاب من حديث عن «مذهب في الحكم» يقوم على المبادرة، والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل بعزم وروح إيجابية. وتمثل هذه العناصر الأربعة، في عمقها، دورة كاملة لصناعة القرار العمومي: المبادرة لاستباق التحولات، والمتابعة لضمان التنفيذ، والنقد الذاتي لقياس النتائج وتصحيح المسار، والاستشراف لإعداد الدولة لتحديات المستقبل.
فالمبادرة من دون متابعة قد تنتج مشاريع لا تبلغ غاياتها، والمتابعة من دون نقد ذاتي قد تتحول إلى مراقبة شكلية، والنقد من دون تصحيح لا يتجاوز التشخيص، والاستشراف من دون تنفيذ يظل مجرد تصور. أما اجتماع هذه العناصر، فينقل العمل العمومي من ثقافة الإعلان إلى ثقافة الأثر، ومن إدارة الوسائل إلى صناعة التحول.
ولذلك فإن «مذهب الحكم» الوارد في الخطاب لا يصف طريقة اتخاذ القرار فقط، بل يضع أيضا معيارا لأداء المؤسسات والمسؤولين: ليست القيمة في إعلان البرنامج، بل في متابعته؛ وليست المتابعة غاية في ذاتها، بل وسيلة لقياس الأثر؛ وليس اكتشاف الخلل إدانة للعمل، بل شرطا لتجويده.
ومن هذا المنهج انتقل الخطاب إلى الاستقرار، الذي يشكل المفهوم المركزي في بنائه العام. فقد وصف الاستقرار السياسي والمؤسساتي بأنه «عملة نادرة» في محيط دولي وإقليمي مطبوع بالتقلبات والاضطرابات، وجعله عاملا أساسيا في معادلة التنمية ورأسمالا استراتيجيا يعتز به المغرب.
وتكمن جدة هذا التصور في أنه لا يقدم الاستقرار باعتباره مجرد غياب للخطر، وإنما باعتباره قدرة على إنتاج القيمة. فالاستقرار يخفض درجة عدم اليقين، ويقوي الثقة في الدولة ومؤسساتها، ويشجع المستثمر على الالتزام بمشاريع طويلة الأمد، ويسمح باستمرار الأوراش الكبرى، ويمنح الشركاء القدرة على بناء علاقات استراتيجية لا تخضع للتقلبات الظرفية.
بهذا المعنى، يصبح الاستقرار موردا اقتصاديا مثلما هو مكسب سياسي؛ غير أنه مورد لا يظهر في الحسابات المالية المباشرة، رغم أثره الحاسم في الاستثمار والإنتاج والشراكات.
ولا يساوي الخطاب بين الاستقرار والجمود. فالاستقرار المقصود ليس تجميدا للحركة، بل انتظاما يسمح بالتغيير؛ وليس تحصينا للوضع القائم ضد الإصلاح، بل تحصينا للإصلاح نفسه من الاضطراب والانقطاع. ولذلك ربط الخطاب بين الأمن والاستقرار وبين نجاعة مؤسسات الدولة وفعاليتها، كما استشهد بقدرة المغرب على تنظيم التظاهرات القارية والدولية، وعلى مواجهة الكوارث والأزمات، ولا سيما التدبير الاستباقي للفيضانات التي شهدتها مناطق الغرب والشمال.
فالاستقرار الحقيقي لا يظهر فقط عندما تكون الظروف طبيعية، وإنما يظهر في قدرة الدولة على الحفاظ على انتظامها خلال الأزمات، وعلى تنسيق تدخلاتها، وتعبئة مواردها، والاستجابة للمخاطر من دون فقدان الاتجاه العام.
ومن هنا جاء استحضار مفهوم «الدولة–الأمة»، التي تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، ومن قيام مؤسساتها بأدوارها في إطار الانسجام والتكامل. ولا تحيل هذه العبارة إلى العمق التاريخي للمملكة فقط، بل تحمل تصورا معاصرا لفعالية الدولة؛ إذ لا تكفي قوة كل مؤسسة على حدة، ما لم تنتظم المؤسسات جميعها داخل رؤية مشتركة.
فالهدر المؤسسي لا ينتج دائما عن غياب الموارد، بل قد ينتج عن ضعف الالتقائية، أو تضارب الاختصاصات، أو بطء التنسيق، أو انفصال القرار المركزي عن التنفيذ الترابي. أما الدولة الفعالة، فهي التي تحول تعدد مؤسساتها إلى تكامل، واختلاف وظائفها إلى انسجام، والموارد المتفرقة إلى أثر جماعي.
وبفضل هذا الترابط بين الاستقرار والنجاعة، انتقل الخطاب إلى المؤشرات الاقتصادية. فقد بلغت نسبة النمو نحو 4.9% سنة 2025، مع توقع تسجيل نسبة مماثلة أو أعلى خلال سنة 2026، كما ساهمت التساقطات المطرية والموسم الفلاحي الجيد في تعزيز الأمنين المائي والغذائي. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في بعدها الإحصائي وحده، بل في موقعها داخل حجة الخطاب: إنها تقدم دليلا على أن الرأسمال المؤسساتي بدأ يتحول إلى دينامية اقتصادية.
ولم يجعل الخطاب النمو مركز التحول الاقتصادي، بل وضع الصناعة في صلبه. فالمغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، بينما باتت صادرات قطاعي السيارات والطيران تفوق 40% من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة على الفوسفاط.
ولا تكمن الدلالة الكبرى لهذه المؤشرات في ارتفاع الصادرات فحسب، وإنما في تغير طبيعتها. فعندما تتقدم الصناعات التحويلية والتكنولوجية داخل بنية التصدير، لا يتغير حجم الاقتصاد فقط، بل تتغير مصادر قوته. وينتقل البلد تدريجيا من تصدير الموارد إلى تصدير المعرفة والخبرة والهندسة والعمل الصناعي المؤهل.
كما أن الصناعة لا تنشئ منتوجا نهائيا وحده؛ بل تبني حوله منظومات من المقاولات والمناولة والتكوين والنقل والخدمات والبحث والتطوير. ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية للتصنيع تتجاوز المصنع إلى النسيج الذي يتشكل حوله.
وقد أكد الخطاب هذا الانتقال النوعي من خلال الإشارة إلى دخول المغرب دائرة محدودة من الدول التي تتوافر على مراكز صناعية كبرى في مجال محركات الطائرات وأنظمة هبوطها، إلى جانب تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية. وهذه أنشطة لا تقوم على انخفاض تكلفة الإنتاج فقط، وإنما تحتاج إلى ثقة تقنية، وكفاءات مؤهلة، ومعايير جودة صارمة، وقدرة على الاندماج في سلاسل إنتاج دولية معقدة.
وتتمثل الرسالة الأعمق هنا في أن المغرب لا يسعى فقط إلى إنتاج كمية أكبر، بل إلى الانتقال نحو إنتاج أكثر تعقيدا وأعلى قيمة. فالفرق بين اقتصاد يصنع واقتصاد يمتلك قوة صناعية يكمن في موقعه داخل سلسلة القيمة: هل يكتفي بالتجميع، أم يطور الخبرة والتكنولوجيا والمكونات والكفاءات التي تسمح له بالصعود داخل تلك السلسلة؟
ويتصل بهذا التحول الصناعي الرهان الطاقي. فقد أبرز الخطاب إنجاز مشاريع تهدف إلى جعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي ورافعة لاستقطاب الصناعات الباحثة عن طاقة تنافسية وخالية من الكربون، فضلا عن الشروع في تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، من خلال الترخيص لأول مجموعة من المشاريع الكبرى.
وهذا الربط بين الطاقة والصناعة يعكس فهما دقيقا للتحولات الاقتصادية العالمية. فالطاقة النظيفة لم تعد ملفا بيئيا منفصلا، وإنما أصبحت جزءا من تنافسية الصناعة ومن شروط النفاذ إلى الأسواق. وكلما امتلك المغرب طاقة منخفضة الكربون وأكثر تنافسية، ازدادت قدرته على جذب صناعات المستقبل وعلى حماية موقعه في عالم يعيد ترتيب سلاسل الإنتاج على أساس البصمة الكربونية.
ومن مجموع هذه الاختيارات يتبلور مفهوم السيادة كما يقدمه الخطاب. فالسيادة ليست شعارا مجردا، ولا تعني إنتاج كل شيء داخل الحدود الوطنية، وإنما تعني امتلاك القدر الكافي من القدرة على تأمين الحاجيات الاستراتيجية وحماية هامش القرار الوطني في زمن الأزمات.
وقد جعل الخطاب تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورين للتنمية الصناعية، مستحضرا تغطية الصناعات الغذائية والدوائية لما يقارب 80% من الحاجيات الوطنية، إلى جانب التوجه نحو إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجالي الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.
والجامع بين الغذاء والدواء والطاقة والبطاريات والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني هو أنها تمثل الحاجيات التي قد تتحول التبعية فيها، عند وقوع الأزمات، إلى قيد على القرار الوطني. وبذلك لا يقدم الخطاب السيادة باعتبارها انعزالا عن العالم، بل باعتبارها قدرة على الانفتاح عليه من موقع أكثر قوة وأقل هشاشة.
فالدولة ذات السيادة ليست الدولة التي لا تحتاج إلى شركاء، وإنما الدولة التي لا تتحول شراكاتها إلى تبعية، ولا يصبح انفتاحها مصدرا لفقدان القرار.
لهذا جمع الخطاب بين تقوية القدرة الوطنية وتنويع الشراكات الدولية. فقد أكد أن المغرب رسخ مكانته فاعلا دوليا موثوقا ومحترما ومسموعا، وفاعلا اقتصاديا مهما وشريكا مطلوبا في علاقات جديدة ومتوازنة ومتوجهة نحو المستقبل، وأصبح قادرا على تقديم عروض شراكة ومبادرات تعاون في القضايا الثنائية والدولية الكبرى.
وتكشف هذه الصياغة عن تحول مهم في موقع المغرب داخل العلاقات الدولية: من دولة تتلقى عروض التعاون إلى دولة تنتج عرضها الخاص. فالشراكة المتوازنة لا تقوم على الثقة السياسية وحدها، بل على ما يستطيع كل طرف تقديمه من قيمة؛ والمغرب يراكم اليوم عناصر عرض مركب يجمع الموقع والاستقرار والبنية اللوجستية والصناعة والطاقة والامتداد الإفريقي.
غير أن الخطاب لم يسمح لمنطق القوة الصناعية والسيادة أن ينفصل عن السؤال الاجتماعي. فقد أكد مواصلة برامج التنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية، وحدد الغاية في تحسين ظروف عيش المغاربة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، مع التشديد على التنزيل الفعال لبرامج التنمية الترابية المندمجة، لتشمل جميع المناطق والجهات دون استثناء.
وهنا يبلغ الخطاب أعلى درجات توازنه: فالاقتصاد القوي لا يعوض الدولة الاجتماعية، بل يوفر لها قاعدة الاستدامة؛ والحماية الاجتماعية لا يمكن أن تستمر من دون إنتاج ونمو وموارد؛ والعدالة المجالية ليست سياسة لتوزيع جزء من عائدات التنمية بعد تحققها، بل معيارا للحكم على نجاح نموذج التنمية نفسه.
فالنجاح الوطني الإجمالي قد يخفي تفاوتات محلية كبيرة. وقد ترتفع الصادرات والاستثمارات، بينما تظل بعض المجالات محدودة الاستفادة من فرص الشغل والخدمات. لذلك لا يكفي أن يتقدم المغرب في المتوسط؛ بل يتعين أن يتسع أثر التقدم ليشمل جهاته ومناطقه وفئاته المختلفة.
كما أن وصف التنمية الترابية بأنها «مندمجة» يحمل دلالة تتجاوز توزيع المشاريع جغرافيا. فالاندماج يعني أن يعالج المجال كوحدة متكاملة، لا باعتباره تجمعا لبرامج قطاعية منفصلة. فلا تنمية اقتصادية دون تكوين، ولا استثمار دون بنية للنقل والاتصال، ولا جاذبية ترابية دون خدمات اجتماعية، ولا مشروع مستدام دون تدبير للماء والطاقة والبيئة.
وبعد تحديد الأهداف، انتقل الخطاب إلى المسألة التي غالبا ما تحدد مصير المشاريع الكبرى: التمويل. فقد أكد أن مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلى موارد تمويلية غير مسبوقة، وأن الجزء الأكبر منها ينبغي تعبئته عبر التمويل الداخلي، داعيا القطاع المالي إلى مواصلة تمويل الاستثمار والمشاريع الكبرى، وإحداث نقلة نوعية في ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصنيع والتصدير إلى التمويلات البنكية وغير البنكية.
ولا تمثل هذه الدعوة تفصيلا تقنيا داخل الخطاب؛ بل تشكل الجسر بين الرؤية والتنفيذ. فقد تمتلك الدولة استراتيجية صناعية وطموحا طاقيا ومشاريع ترابية، لكن قدرتها على الإنجاز ستظل محدودة إذا لم تنتقل المدخرات من حالة الانتظار إلى الاستثمار المنتج.
فالتمويل ليس مجرد مورد يضاف بعد اختيار المشروع، بل قوة توجه بنية الاقتصاد. وإذا استمر التمويل في تفضيل الأنشطة الأقل مخاطرة والأسرع مردودية، فقد تتعطل الصناعات الجديدة والمقاولات الصغرى والابتكار. أما حين تتجه المدخرات نحو التصنيع والتصدير والتكنولوجيا، فإن النظام المالي يصبح شريكا في صناعة المستقبل.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى انفتاح القطاع المالي وابتكاره، وإلى تعبئة الادخار الوطني، ولا سيما المؤسساتي، وإنعاش الأسواق المالية. فالتحول الكبير يحتاج إلى تمويل طويل الأمد، وأدوات متنوعة، واستعداد لتقاسم المخاطر، وليس إلى الائتمان التقليدي وحده.
وبذلك يضيف الخطاب بعدا جديدا إلى مفهوم السيادة: فالدولة التي لا تستطيع تعبئة مواردها الوطنية لتمويل أولوياتها قد تملك المشاريع، لكنها لا تملك دائما حرية توقيتها وشروط تنفيذها. أما التمويل الداخلي، فلا يعني رفض الموارد الخارجية، بل يضمن أن يظل القرار الاستثماري الوطني أقل تعرضا للتقلبات والاشتراطات الخارجية.
ويكتمل البناء الاستراتيجي للخطاب بإبراز استمرارية الدولة. فقد أكد جلالة الملك أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، لأنها ثمرة تراكمات إيجابية وتوجهات استراتيجية واختيارات كبرى امتدت عبر سنوات، مع التطلع إلى إطلاق دورة تنموية جديدة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة وانبثاق حكومة جديدة، عنوانها تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.
ولا تعني استمرارية الدولة إلغاء الزمن الحكومي أو تخفيف مسؤولية المؤسسات المنتخبة؛ بل تعني الفصل بين ثبات الاتجاه الاستراتيجي وبين تنوع البرامج التنفيذية. فالدولة تحدد المشاريع الكبرى الممتدة، بينما تتحمل كل حكومة مسؤولية سرعة الإنجاز وجودته، وترتيب الأولويات، وتدبير الموارد، وتحقيق النتائج.
والاستمرارية، بهذا المعنى، ليست نقيضا للتجديد، بل حامية له من البدء المتكرر من نقطة الصفر. وهي لا تمنع المحاسبة، وإنما تجعلها أكثر دقة؛ لأن أداء الحكومة يقاس بما أضافته إلى مسار قائم، وبما صححته من اختلالات، وبما حققته من نتائج، لا بمجرد إطلاق توجهات جديدة كلما تغيرت الولاية.
إن القيمة الكبرى لخطاب العرش لسنة 2026 لا توجد، في النهاية، في أي رقم أو قطاع منفرد، وإنما في الطريقة التي ربط بها بين عناصر القوة الوطنية. فالاستقرار لم يقدم بوصفه حصيلة سياسية فقط، بل باعتباره مدخلا للإنتاج؛ والصناعة لم تقدم باعتبارها نشاطا اقتصاديا فقط، بل باعتبارها قاعدة للسيادة؛ والتمويل لم يقدم باعتباره وظيفة مصرفية فقط، بل باعتباره أداة للتحول؛ والعدالة المجالية لم تقدم باعتبارها سياسة اجتماعية فقط، بل باعتبارها معيارا لصدق التنمية.
ويمكن اختزال هندسة الخطاب في خمس عمليات تحويل مترابطة: تحويل الاستقرار إلى ثقة، والثقة إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى سيادة، والسيادة إلى كرامة من خلال العدالة.
فإذا بقي الاستقرار دون استثمار، تحول إلى فرصة مهدرة؛ وإذا جاء الاستثمار دون اندماج صناعي، ظل أثره محدودا؛ وإذا تحقق الإنتاج دون سيادة، بقي الاقتصاد معرضا للهشاشة؛ وإذا تعززت السيادة دون عدالة، فقدت التنمية معناها الاجتماعي؛ وإذا أُعلنت العدالة دون تمويل ونجاعة مؤسساتية، ظلت وعدا غير مكتمل.
هنا تحديدا تتجلى فرادة الخطاب: إنه لا يعرض إنجازات متجاورة، بل يقدم شروط اكتمال بعضها ببعض. ولا يعرف المغرب الصاعد بأنه البلد الذي يحقق نموا أعلى فقط، وإنما بأنه البلد الذي يرفع قدرته على الفعل، ويمول تحولاته، وينتج حاجياته الاستراتيجية، ويختار شراكاته بثقة، ويوزع ثمار تقدمه بصورة أكثر إنصافا.
إن القوة الوطنية، وفق هذه الرؤية، لا تصنعها الشعارات، ولا ينتجها قطاع واحد مهما بلغت أهميته. إنها بناء مركب قاعدته الاستقرار، وأداته المؤسسة الفعالة، ومحركه الاقتصاد المنتج، وحصنه السيادة، وجسره التمويل الوطني، وغايته كرامة المواطن.
وبهذه المعادلة، لا يقدم خطاب العرش حصيلة سبع وعشرين سنة فحسب، وإنما يرسم منطق المرحلة المقبلة: الانتقال من امتلاك المقومات إلى إحكام الربط بينها؛ ومن نجاح المشاريع الكبرى إلى تعميم أثرها؛ ومن الصعود الاقتصادي إلى النضج الاستراتيجي؛ ومن الثقة في المستقبل إلى صناعة شروطه بالفعل والمؤسسة والإنتاج والعدالة.