السياسيةقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

حينما يصبح التعليم الخاص سنداً مجتمعياً في زمن الأزمات

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.محمد تامر

almizan.ma

على هامش فيضانات القصر الكبير/ حينما يصبح التعليم الخاص سنداً مجتمعياً في زمن الأزمات
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.محمد تامر
خلفت الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير ومناطق أخرى بالمغرب حالة من الحزن والأسى بسبب ما نتج عنها من خسائر مادية ومعاناة إنسانية طالت الأسر والبنيات الأساسية، ولم تسلم من آثارها المؤسسات التعليمية التي وجدت نفسها أمام تحديات كبيرة مرتبطة باستمرارية التمدرس وضمان حق التلاميذ في التعليم. وفي هذا السياق، جاء البلاغ الصادر عن المجلس الوطني لرابطة التعليم الخاص بالمغرب ليعكس انخراط هذا القطاع في الدينامية التضامنية الوطنية، وليؤكد أن التعليم الخاص لا يمكن أن يبقى بعيداً عن قضايا المجتمع حين يتعلق الأمر بأزمة تمس الوطن والمواطنين.
ويظهر من خلال البلاغ أن الرابطة حاولت تقديم موقف واضح يجمع بين التعاطف الإنساني والالتزام العملي، حيث أكدت تضامنها الكامل واللامشروط مع الساكنة المتضررة، مشيرة إلى أن ما حدث لم يكن مجرد حادث عابر بل كارثة امتدت آثارها إلى الأسر والتلاميذ والأطر التربوية والمؤسسات التعليمية. هذا الاعتراف يحمل دلالة قوية، لأنه ينبه إلى أن الكوارث الطبيعية لا تضرب فقط البنية التحتية والاقتصاد المحلي، بل تزعزع أيضاً الاستقرار الاجتماعي والتربوي، مما يجعل التعليم من بين القطاعات الأكثر هشاشة أمام الأزمات الطارئة.
ومن بين النقاط التي يبرزها البلاغ بشكل واضح إعلان الرابطة استعدادها لتقديم الدعم التربوي عن بعد لفائدة التلاميذ المتضررين عبر تعبئة الأطر التعليمية وتفعيل المنصات الرقمية. وتكشف هذه الخطوة عن توجه جديد في التعامل مع الأزمات، يقوم على الاستفادة من الوسائل التكنولوجية لضمان استمرارية الدراسة وعدم ضياع الزمن المدرسي. غير أن هذا المقترح يفتح الباب أمام تساؤلات واقعية تتعلق بمدى قدرة الأسر المتضررة على الاستفادة من التعليم الرقمي، خصوصاً في ظل فقدان بعض التجهيزات أو ضعف الإمكانيات المادية، وهو ما يجعل نجاح هذا التوجه مرتبطاً بتوفير شروط الدعم الاجتماعي إلى جانب الدعم التربوي.
كما يلفت الانتباه إعلان مؤسسات التعليم الخاص الراغبة في استقبال التلاميذ المتضررين وفق الإمكانيات المتاحة وبالتنسيق مع الجهات المعنية، وهي خطوة تحمل أبعاداً اجتماعية عميقة، لأنها تبرز أن المدرسة ليست فقط مؤسسة تعليمية بل فضاء إنساني قادر على احتضان المتعلمين وتوفير الاستقرار النفسي لهم في لحظات الاضطراب. وفي الوقت نفسه، يعكس هذا التوجه رغبة في تكريس التعاون بين القطاع الخاص والوزارة الوصية والسلطات المحلية، بما يؤكد أن تدبير الأزمات التعليمية لا يمكن أن يتم بمعزل عن التنسيق المؤسساتي والشراكة الوطنية.
ولا يقل أهمية عن ذلك إشادة البلاغ بالمؤسسات التي بادرت إلى احتضان التلاميذ المتضررين بالمجان، معتبراً ذلك تجسيداً حقيقياً لقيم التضامن والتكافل. وهو خطاب يسعى إلى إبراز الدور الاجتماعي للتعليم الخاص وتصحيح الصورة النمطية التي تختزله أحياناً في بعده الربحي، إذ يقدم البلاغ هذا القطاع كجزء من النسيج الوطني الذي يتحمل مسؤوليته في دعم المواطنين خلال الأزمات.
إن بلاغ رابطة التعليم الخاص بالمغرب، في عمقه، لا يعبر فقط عن موقف تضامني، بل يعكس أيضاً محاولة لإعادة تعريف دور المؤسسات التعليمية الخاصة داخل المجتمع، باعتبارها شريكاً في التنمية وفاعلاً في الاستقرار الاجتماعي. فالأزمات الكبرى تكشف دائماً عن معدن المؤسسات، وتجعل التضامن معياراً حقيقياً لمدى ارتباط الفاعلين بمحيطهم. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرسالة الأساسية للبلاغ تتمثل في التأكيد على أن الحفاظ على حق التلاميذ في التعليم خلال الكوارث هو مسؤولية جماعية، وأن التآزر بين جميع الأطراف يظل السبيل الأنجع لتجاوز آثار المحن وضمان عودة الحياة المدرسية إلى طبيعتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى