الرواية المغربية وأسئلة الذاكرة الجماعية
الميزان/ الرباط: متابعة
على مدى أربع ساعات بفضاء دار الشباب مولاي بوعزة، نظم المركز المغربي للبحث العلمي وتطوير الكفاءات بشراكة مع نادي القلم ومختبر السرديات، عصر يوم الخميس سابع ماي، ندوة فكرية بعنوان “الرواية والذاكرة الجريحة”، احتفاء بالبعد الأدبي للذاكرة، وبمشاركة نقاذ وباحثين وروائيين اشتغلوا على تمثلات الذاكرة المغربية في السرد الروائي، من خلال أعمال استحضرت أحداث مولاي بوعزة وأسئلة التاريخ والهوية والعدالة الرمزية، وقد شهد اللقاء حضورا ثقافيا وازنا ونقاشا غنيا حول علاقة الرواية بالذاكرة الجماعية والتاريخ المغربي المعاصر.
نسق أشغال اللقاء إبراهيم أزوغ، الذي أكد في كلمته الافتتاحية أن الوظيفة الحقيقية للأدب تتمثل في تخييل أسرار الذاكرة وتمثيل تحولات التاريخ والمجتمع والذات، معتبرا أن اختزال الأدب في التحليل النقدي للبنيات الجمالية الصرفة يشكل تهديدا لدوره الإنساني والمعرفي. ومن جهته، أبرز عصام أبا الحسن، في كلمة المركز المنظم، أهمية اللقاء في إعادة طرح سؤال الذاكرة بمدينة مولاي بوعزة عبر الرواية، باعتبارها شكلا موازيا للتاريخ في إعادة مساءلة الأحداث.
وتناول الباحث عبد الجليل الشافعي، في مداخلته الموسومة بـ”الذاكرة الجريحة: توتر المرجعي والتخييلي في رواية من يكمل وجه الجنرال لعبد الكريم جويطي”، دلالات المؤشرات النصية في الرواية، من العنوان إلى لوحة الغلاف، قبل أن يتوقف عند مفهوم الذاكرة الجريحة وتمثلاتها السردية. وركز المتدخل على الذاكرة الإبداعية المغربية الجريحة بوصفها ذاكرة حية تستعيد أحداث مولاي بوعزة لسنة 1973 روائيا وتخييليا، كما توسل مفهوم “تفاهة الشر” في مقاربة الرواية والاقتراب من سؤال مسؤولية منفذي التعذيب بين الطاعة والوعي الأخلاقي، ومفهوم “الشر الجذري” في استحضار محاكمة أدولف أيخمان وتحليلات حنة أرندت، لإبراز كون الرواية قادرة على معالجة الذاكرة الجريحة عبر الجمع بين المرجعي والتخييلي لصياغة ما سماه “الحقيقة الروائية”.
أما الباحث جواد التباعي، فقد قدم مداخلة بعنوان “أحداث مولاي بوعزة لسنة 1973 في رواية تقرير إلى الهدهد لشعيب حليفي، بين الذاكرة الجريحة والبحث المستمر عن الحقيقة التاريخية”، تطرق فيها إلى التحول الذي عرفته بلدة مولاي بوعزة من فضاء صوفي مرتبط بالولي أبي يعزى يلنور إلى فضاء مثقل بذاكرة العنف السياسي خلال سبعينيات القرن الماضي، وأوضح أن رواية “تقرير إلى الهدهد”للروائي شعيب حليفي أعادت إحياء هذه الأحداث باعتبارها جرحا مفتوحا في الذاكرة المغربية بتخييلها، وربطت بين السرد الأدبي والتاريخ المهمش عبر رمزية “الهدهد” بوصفه أداة لكشف الحقيقة والتنقيب في المسكوت عنه، كما أبرز أن الرواية تقدم السرد باعتباره وثيقة موازية للتاريخ الرسمي، من خلال رحلة البحث عن مصير “الفقيه” المختفي قسريا، حيث تتقاطع صيغ الشهادات والوثائق والذاكرة الفردية لبناء “تاريخ آخر أو التاريخ المنسي” للمغرب المعاصر، وخلص المتدخل إلى أن الرواية تجعل من الأدب وسيلة لحفظ الذاكرة وترسيخ العدالة التاريخية.
وقدمت الباحثة نيهاد القزوي ورقة بعنوان “مجهول الحال وسردية الزمن المعطوب”، تناولت فيها رواية “مجهول الحال” لسعيد بنسعيد العلوي باعتبارها غوصا فلسفيا في أركيولوجيا الذاكرة المغربية، من خلال استحضار أحداث مولاي بوعزة سنة 1973 بوصفها مدخلا لاستنطاق التاريخ المغربي المعاصر، وأوضحت الباحثة أن الرواية تبني ما أسمته “الزمن المعطوب”، وهو زمن يصل بين انكسارات الماضي الثوري وعزلة الحاضر المرتبطة بجائحة كوفيد-19، في سياق تتحول فيه الذاكرة إلى محرك سردي يعيد تفكيك فشل وتعثر الأحلام، كما توقفت عند رمزية المكان الذي يتحول من فضاء جغرافي صامت إلى حارس للذاكرة الجماعية.
وعقب النقاش الذي أعقب المداخلات، قدم الروائي عبد الكريم جويطي كلمة أكد فيها أن الرواية قادرة على إعادة التاريخ إلى دائرة التداول العمومي من خلال تقديم زوايا نظر جديدة تجاه الأحداث والتحولات الكبرى، مثلما تحدث عن خصوصية التصوف المغربي الشعبي من خلال نموذج مولاي بوعزة، معتبرا أن للأمكنة أقدارا تشبه أقدار البشر، وأن ذاكرة المدينة ارتبطت عند المغاربة بقيمتها الدينية من جهة وبالأحداث من جهة أخرى، مبرزا أهمية انشغال الكاتب بالذاكرة الجمعية المغربية بما تحمله من خصوصيات جغرافية ودينية.
من جانبه، شدد الروائي شعيب حليفي على أهمية انعقاد هذا اللقاء بمدينة مولاي بوعزة لما تحمله من حمولة رمزية وتاريخية داخل الذاكرة الوطنية، معتبرا أن الرواية تظل إحدى أهم وسائل مقاومة النسيان وإثارة الأسئلة المرتبطة بالحقيقة والتاريخ والعدالة، وأوضح أن السرد الروائي لا يكتفي بإعادة بناء الوقائع، بل يفتح المجال أمام مساءلة الصمت والتهميش واستعادة الأصوات التي ظلت بعيدة عن التوثيق الرسمي، مما يجعل الأدب عموما والرواية على وجه خاص، فضاء لإعادة التفكير في الذاكرة الجماعية المغربية.
أما الورقة الثالثة (وقد قُرئت بالنيابة)، فكانت لسعيد بنسعيد العلوي، الذي عبر عن اعتزازه بإدراج روايته “مجهول الحال” إلى جانب أعمال عبد الكريم جويطي وشعيب حليفي ضمن هذا اللقاء الثقافي، معتبرا أن للندوة دلالات رمزية عميقة ترتبط بالذاكرة الوجدانية لمولاي بوعزة وللأطلس المتوسط عموما. وأكد أن الذاكرة التاريخية المغربية، بما تحمله من ألم وأخطاء وأيضا من أمل وبناء، تظل مادة خصبة للتخييل الروائي وللتفكير في العلاقة بين التاريخ والسرد.