حين يصبح المستشفى مقبرة مؤجلة/ وفاة عبد الوهاب الدوكالي.. أم وفاة الثقة الأخيرة؟
لم يكن عبد الوهاب الدوكالي مجرد فنان عابر في ذاكرة المغاربة..
كان صوت جيل، ووجدان وطن، وواحدًا من آخر الرجال الذين حملوا الفن المغربي في زمن كانت فيه الكلمة تُصنع بصدق، واللحن يُولد من الألم والجمال معًا..
لكن الرجل الذي رافق المغاربة لعقود بالأغنية الراقية، خرج من الحياة في صمت ثقيل، داخل مصحة يفترض أنها مكان للعلاج لا بوابة للموت المفاجئ.
دخل لإجراء طبي يُقال إنه “بسيط” يتعلق بالبروستات.. ثم خرج جثة…
وفورًا، أمر وكيل الملك بإجراء تشريح طبي لمعرفة أسباب الوفاة..
وهو إجراء قانوني طبيعي، بل ضروري..
لكن السؤال الذي يختنق داخل صدور المغاربة ليس فقط:
كيف مات الدوكالي؟
بل: كم مغربيًا مات قبله بالطريقة نفسها دون أن يهتز أحد؟
وكم عائلة دُمّرت بسبب خطأ طبي أو إهمال أو جشع أو استهتار؟
وكم من مواطن بسيط خرج من مستشفى بعاهة دائمة أو دين ثقيل أو قبر مفتوح؟
هنا تبدأ المأساة الحقيقية..
في المغرب، لا تكمن الكارثة فقط في الأخطاء الطبية، فالأخطاء تقع في كل دول العالم، حتى في أكثر الأنظمة الصحية تقدمًا..
لكن الفرق أن الدول التي تحترم مواطنيها تُحاسِب، وتُصلح، وتُعيد بناء الثقة..
أما عندنا، فغالبًا ما يُدفن الملف مع الضحية، وتُدفن الحقيقة مع النفوذ، ويُدفن الغضب تحت الخوف أو اليأس..
المواطن المغربي البسيط يعرف جيدًا هذا الجحيم الصامت..
يعرف معنى أن يدخل مستشفى وهو خائف ليس من المرض، بل من الإهمال..
يعرف معنى أن يتحول الطبيب أحيانًا من رسول رحمة إلى موظف بارد أو تاجر مواعيد أو سمسار مصحات..
ويعرف معنى أن يبيع الفقير أثاث بيته، أو يستدين، أو يتسول، فقط ليحصل على علاج قد ينتهي بكارثة أكبر من المرض نفسه..
الخطأ الطبي ليس فقط موت المريض فوق طاولة العمليات..
الخطأ الطبي قد يكون تشخيصًا متأخرًا دمّر عضوًا..
وقد يكون دواءً خاطئًا حطم الكبد أو القلب..
وقد يكون استهتارًا أو غياب متابعة أو احتقارًا لآلام الناس..
وقد يكون استنزافًا ماليًا لعائلة كاملة تُدفع نحو الفقر واليأس والانهيار النفسي..
وهنا تصبح الجريمة أوسع من مجرد “خطأ”..
تصبح منظومة كاملة تُنتج الألم ثم تحمي نفسها بالقانون والنفوذ والصمت..
في المغرب، يشعر المواطن أحيانًا أن القانون يملك عينًا واحدة..
يرى الضعيف بسرعة البرق… لكنه يصاب بالعمى حين يتعلق الأمر بأصحاب النفوذ أو المال أو اللوبيات الكبرى..
ولهذا يخاف الناس من الانتقائية أكثر من خوفهم من الظلم نفسه، لأن الظلم حين يصبح انتقائيًا يتحول إلى رسالة مرعبة تقول للمواطن: أنت وحدك من سيدفع الثمن..
منظومة الصحة في المغرب لا تحتاج فقط إلى مستشفيات جديدة، ولا إلى بنايات ضخمة تُلتقط أمامها الصور الرسمية.
فكم من مستشفى يبدو كالقصر من الخارج… بينما داخله يختنق بالإهمال والفوضى وانعدام الإنسانية؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان قبل الإسمنت..
بناء الطبيب الذي يخاف الله قبل خوفه من الكاميرات..
الطبيب الذي يعتبر المهنة رسالة لا صفقة..
الذي يواصل التكوين والتعلم لأنه يتعامل مع أرواح البشر لا مع آلات..
والذي يدرك أن كلمة طيبة قد تُنقذ مريضًا بقدر ما ينقذه الدواء.
كما يبدأ الإصلاح من تكوين الممرض، والإداري، والعامل، وكل من يشتغل داخل هذا القطاع، على معنى الرحمة والمسؤولية والضمير.
لأن الأزمة في المغرب لم تعد أزمة صحة فقط… بل أزمة إنسانية شاملة..
نحن أمام مجتمع يتآكل فيه الإحساس بالآخر..
قسوة تتوسع..
أنانية تتوحش..
ومشاعر إنسانية تنقرض ببطء في الإدارة، وفي الشارع، وفي الإعلام، وحتى أحيانًا في المدرسة والمسجد والمنزل.
وهنا يظهر الفشل الكبير.
فشل التربية التي خرّجت أجيالًا تحفظ الدروس ولا تحفظ قيمة الإنسان.
وفشل بعض رجال الدين الذين انشغلوا بالشكل وتركوا جوهر الرحمة والعدل والإتقان.
وفشل إعلامٍ يطارد التفاهة بينما المآسي الحقيقية تُدفن في الهامش.
لقد أصبحت صحة المواطن المغربي رهينة منظومة متشابكة من المصالح.
لوبيات تستفيد من الفوضى.
لوبيات لا تريد الشفافية.
ولا تريد قوانين صارمة للمحاسبة.
ولا تريد مواطنًا واعيًا بحقوقه.
ولهذا يبدو الإصلاح الحقيقي غائبًا، أو مؤجلًا عمدًا.
قبل أشهر، أرسلتُ شخصيًا مقترحًا شاملًا لإصلاح منظومة الصحة في المغرب إلى سفير المغرب في هولندا، والذي أكد لي أنه قام بتحويله إلى الجهات المختصة في المغرب.
لكن، كحال كثير من الأفكار الجادة في هذا البلد، يبدو أن مصيره كان الرفوف المغبرة أو سلال الإهمال.
في المغرب، كثيرون يتحدثون عن الإصلاح… لكن قلة فقط تريد اقتلاع جذور الفساد فعلًا.
رحل عبد الوهاب الدوكالي، رحمه الله..
لكن القضية أكبر من وفاة فنان كبير..
القضية هي وطن كامل يخشى مواطنوه دخول المستشفى.
وطن يحتاج إلى ثورة أخلاقية قبل أن يحتاج إلى ميزانيات ضخمة..
وطن لا يمكن أن يُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالعدل والكفاءة والرحمة والضمير..