السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

تقييم السياسات العمومية: كيف يتحول البرلمان من رقيب إلى شريك في صنع القرار؟

الميزان/ الدار البيضاء: الدكتور رشيد المدور

almizan.ma

تقييم السياسات العمومية: كيف يتحول البرلمان من رقيب إلى شريك في صنع القرار؟

الميزان/ الدار البيضاء: الدكتور رشيد المدور*

هل يمكن للبرلمان أن يتجاوز دوره التقليدي كجهاز يراقب الحكومة، ليصبح شريكا في صنع القرار العمومي؟

 قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، أقرب إلى الطموح النظري منه إلى واقع الممارسة. لكن التمعن في مسار إدخال “تقييم السياسات العمومية” إلى العمل البرلماني يبيّن أنه لا يتعلق بمجرد تطوير تقني، بل بتحول أعمق يمس طبيعة الوظيفة البرلمانية وحدود تدخلها.

لقد استقر في الأذهان أن الرقابة البرلمانية هي الأداة الأساسية لمساءلة الحكومة؛ غير أن هذه الرقابة، خاصة في ممارستها المعارضة، لا تخلو من نزوع واضح نحو منطق الصراع السياسي، حيث يصبح الهدف هو إبراز أخطاء الحكومة وتقويض الثقة فيها لدى الرأي العام، تحضيرا لاستبدالها. في هذه الحالة، يغلب على النقد طابعه الهَدْمِي، حتى وإن كان مبرَّرا سياسيا. غير أن هذا الفهم، على أهميته، لم يعد كافيا لفهم ما يجري داخل العمل البرلماني، فقد أخذت تتبلور، في السنوات الأخيرة، وظيفة أخرى تشتغل بمنطق مختلف: وظيفة التقييم.

التقييم، في ظاهره، امتداد للفعل الرقابي، لكنه في العمق يختلف عنه في الغاية؛ فالرقابة، في كثير من الأحيان، تشتغل بمنطق المساءلة السياسية المباشرة، أما التقييم فينصرف إلى تشخيص الاختلالات، وفهم أسبابها، واقتراح سبل معالجتها في أفق تحسين الأداء، لا إسقاطه. إنه، بهذا المعنى، نقد إصلاحي، ينشغل بما تبقى من عمر السياسة العمومية أكثر مما ينشغل بالحكم النهائي عليها.

ومن هنا، لا يكون التقييم مجرد أداة إضافية، بل يعكس تغيرا في منطق العمل البرلماني ذاته: من منطق المواجهة إلى منطق الإسهام، ومن نقد يروم الإدانة إلى نقد يراهن على التصحيح. وهو ما يفتح أفقا مختلفا في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، يقوم على التعاون في تحسين السياسات العمومية، بدل الاكتفاء بمساءلتها بعد فوات الأوان.

هذا التحول يجد سنده في الإطار الدستوري الذي أُدرجت فيه وظيفة التقييم بوصفها اختصاصا صريحا للبرلمان؛ غير أن الدلالة الحقيقية لهذا التنصيص لا تكمن فقط في توسيع صلاحياته، بل في إعادة تعريف موقعه داخل النظام السياسي، فالبرلمان لم يعد مجرد سلطة تراقب، بل أصبح مطالبا بالانخراط في تحليل السياسات العمومية وقياس آثارها والإسهام في توجيهها.

وبتعبير أدق، ينتقل البرلمان من موقع الملاحظ الخارجي إلى موقع الفاعل المشارك؛ فهو لا يكتفي بتسجيل الملاحظات أو توجيه الانتقادات، بل يساهم في تفكيك الاختيارات العمومية، وقراءة نتائجها، واقتراح بدائل بشأنها. وهذا التحول، إذا استقام، من شأنه أن يعيد الاعتبار لدور المؤسسة البرلمانية في التأثير الفعلي في القرار العمومي.

غير أن هذا التحول لا يمكن فهمه إلا بوضعه على خلفية منطق الرقابة التقليدية؛ ففي لحظاتها الأكثر توترا، كانت الرقابة تُمارس في سياق مشحون تحكمه حسابات الربح والخسارة السياسية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه داخل المعادلة السياسية. أما التقييم، فيفترض أن يجري في سياق مختلف: سياق يقتضي قدرا من الهدوء، ويستند إلى المعطيات والتحليل، ويتجه إلى تحسين الفعل العمومي بدل تسجيل المواقف.

وبهذا المعنى، فإن التقييم لا يلغي الرقابة ولا ينافسها، بل يعيد توجيهها ويمنحها بعدا أكثر نضجا، فهو يجعل من المساءلة البرلمانية أداة للفهم والتصحيح، لا فقط أداة للإحراج السياسي. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في التنصيص على هذه الوظيفة، بل في كيفية ممارستها. فالتقييم، لكي يؤدي دوره، يحتاج إلى أن يتحول إلى ممارسة منتظمة، مؤطرة بالمعطيات الدقيقة، ومدعومة بخبرة المؤسسات المختصة، ومترجمة إلى توصيات قابلة للتنفيذ.

كما يحتاج إلى إرادة سياسية تقبل بمنطق التعاون دون أن تتخلى عن مقتضيات المحاسبة. وفي المقابل، يبقى الخطر قائما في أن يُختزل هذا التقييم في مجرد مناسبة شكلية، أو يتحول إلى طقس سنوي لا يترك أثرا ملموسا في السياسات العمومية. وفي هذه الحالة، يفقد معناه، ويتحول إلى إجراء روتيني لا يغيّر شيئا في جوهر القرار العمومي. إن ما يكشفه التأمل في هذا المسار هو أن تقييم السياسات العمومية ليس مجرد تقنية برلمانية، بل هو اختبار فعلي لنضج الممارسة الديمقراطية.

فحين يُمارس بجدية، يعكس قدرة المؤسسات على مراجعة اختياراتها وتصحيح مسارها. أما حين يظل حبيس النصوص أو المناسبات، فإنه يكشف حدود هذا النضج، ويطرح سؤال الفجوة بين البناء الدستوري والممارسة الفعلية. في النهاية، لم يعد السؤال: هل يراقب البرلمان الحكومة؟ بل: هل يستطيع أن يساهم في تحسين السياسات العمومية إلى جانبها؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يتحدد المعنى الحقيقي للتحول من برلمان يراقب… إلى برلمان يشارك في صنع القرار.

* أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى