تسقيف المحروقات هل تستجيب الحكومة المقبلة لنبض الشارع؟
الميزان/ الدار البيضاء: مصطفى قصاب
بعد صمت انتخابي دام أسابيع، عادت العريضة الوطنية المطالبة بتسقيف أسعار المحروقات لتتصدر واجهة النقاش العمومي من جديد، في وقت تجاوز فيه ثمن الغازوال سقف 16 درهما للتر، وعاد معه الغضب الشعبي ليطرق أبواب محطات الوقود.
وأعلنت لجنة المبادرة المواطنة لتسقيف أسعار المحروقات، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، استئناف حملة جمع التوقيعات على الصعيد المحلي والجهوي، بعد تعليقها المؤقت خلال فترة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الماضي.
لماذا عادت العريضة الآن؟
قال عبد العاطي اربيعة، المنسق الوطني للعريضة، في تصريحات صحفية، إن تعليق جمع التوقيعات خلال الانتخابات كان قرارا واعيا تفاديا لأي استغلال سياسي أو انتخابي للمبادرة، وحفاظا على استقلاليتها.
وأضاف أن اللجنة تراهن على الفترة المتبقية قبل تنصيب الحكومة الجديدة لاستكمال النصاب القانوني المحدد في 4000 توقيع، بل وتجاوزه، لمنح العريضة قوة وشرعية أكبر عند وضعها على طاولة رئيس الحكومة المقبل.
وأوضح عضو اللجنة محسن الوادواري أن المبادرة ليست وليدة اللحظة، بل انطلقت جذورها من حملة جمع التوقيعات ضد الساعة الإضافية في مارس 2026، قبل أن تتحول في 14 أبريل إلى عريضة وطنية قانونية تستند إلى *الفصل 15 من الدستور والقانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بالعرائض، والمادة 4 من قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 104.12* التي تتيح للحكومة التدخل في حالة وجود اختلال جلي في السوق.
وكانت اللجنة قد حاولت جمع التوقيعات عبر البوابة الرسمية *eparticipation.ma*، إلا أنها اصطدمت بتعطل المنصة لأسباب قالت عنها وزارة العلاقات مع البرلمان إنها تعديلات تقنية، مما اضطر اللجنة إلى اللجوء للتوقيعات الورقية.
السياق: الغازوال يتجاوز 16 درهما
يأتي استئناف الحملة في سياق ملتهب. فمع بداية أكتوبر الجاري، شهدت أسعار المحروقات زيادات جديدة وصفت بالقوية:
– البنزين الممتاز: +44 سنتيما للتر
– الغازوال: +85 سنتيما للتر. ليتجاوز سعره 16 درهما في أغلب محطات التوزيع
وهي زيادات انعكست مباشرة على تكاليف النقل، وأسعار الخضر والمواد الغذائية، والقدرة الشرائية للأسر، في وقت ينتظر فيه المغاربة من الحكومة المقبلة إجراءات اجتماعية ملموسة.
ماذا تطالب العريضة؟ 10 دراهم كسقف
لا تكتفي العريضة بالمطالبة بخفض الأسعار، بل تقدم وصفة قانونية واقتصادية متكاملة، تتمثل في 5 مطالب رئيسية:
1. تسقيف السعر في 10 دراهم: إصدار مرسوم حكومي يحدد سقفا أقصى لسعر بيع المحروقات للعموم في حدود 10 دراهم للتر، كما كان الحال قبل التحرير سنة 2015.
2. الضريبة المتحركة: اعتماد آلية تسمح بخفض الضرائب والرسوم الداخلية على الاستهلاك (TIC) كلما ارتفعت الأسعار دوليا، ورفعها عندما تنخفض، لتثبيت السعر الداخلي.
3. ضريبة على الأرباح الفاحشة: فرض ضريبة استثنائية على الأرباح التي تحققها شركات التوزيع خلال فترات الأزمات، وتوجيه عائداتها لصندوق المقاصة ودعم المواد الأساسية.
4. تطبيق توصيات مجلس المنافسة: التطبيق الصارم لتوصيات مجلس المنافسة والتصدي للممارسات الاحتكارية والتوافق غير المشروع على الأسعار بين الشركات التسع الكبرى، التي سبق أن أدت غرامة تصالحية نهاية 2023 قدرها 1.8 مليار درهم.
5. إعادة تشغيل لاسامير: اتخاذ الإجراءات القانونية والتقنية لإعادة تشغيل مصفاة *”سامير” بالمحمدية*، والاستفادة من قدرات التخزين الوطنية لتقليص كلفة الاستيراد. وترى اللجنة أن إعادة تشغيلها من شأنه خفض السعر تدريجيا إلى 8 دراهم للتر.
هل ستستجيب الحكومة أم دار لقمان على حالها؟
هنا مربط الفرس. السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم: هل هذه الحكومة الجديدة، التي ستفرزها صناديق 23 شتنبر، ستستجيب لمطالب الشعب، أم أن “دار لقمان ستبقى على حالها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”؟
التجارب السابقة لا تبعث على التفاؤل. فمنذ تحرير أسعار المحروقات في عهد حكومة بنكيران سنة 2015، والحكومات المتعاقبة ترفض العودة لآلية التسقيف، مبررة ذلك بآليات السوق الحرة، رغم تقارير مجلس المنافسة التي أكدت وجود اختلال بنيوي، حيث تمرر الشركات الزيادات الدولية بسرعة فائقة، بينما لا تخفض الأسعار بنفس السرعة عند انخفاض النفط عالميا.
لكن هذه المرة، تختلف المعطيات:
– العريضة أصبحت قانونية ومؤطرة دستوريا، والحكومة ملزمة بالجواب عليها في أجل 60 يوما بعد إيداعها.
– هناك غضب اجتماعي واسع، خاصة من مهنيي النقل الذين هددوا بالإضراب.
– الملف أصبح قضية رأي عام، وورقة ضغط بيد المعارضة الجديدة.
ويؤكد منسق العريضة أن اللجنة راسلت رئاسة الحكومة بالفعل، وستضع العريضة على طاولة الحكومة فور تنصيبها بشكل رسمي.
فهل ستنصت الحكومة المقبلة لصوت 4000 مواطن وربما 40 ألفا، وتفعل آلية التسقيف التي يسمح بها القانون في حالات الظروف الاستثنائية؟ أم ستواصل نفس السياسة التي جعلت المغرب من أغلى الدول في ثمن المحروقات مقارنة بالقدرة الشرائية؟
الأيام القليلة المقبلة، بعد تشكيل الحكومة، ستجيب.