تحول دبلوماسي أممي: كيف كرّست الجمعية العامة “الأساس الوحيد” في قضية الصحراء؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذ. محمد ازوين
اعتمدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مساء الخميس 15 أكتوبر 2026، قرارها السنوي حول قضية الصحراء المغربية بأغلبية 152 صوتاً، مقابل صوتين معارضين وسبعة امتناعات. ورغم أن النص يندرج في التقليد السنوي لقرارات اللجنة الرابعة، فإنه يحمل هذه المرة تحولاً جوهرياً في مسار النزاع: إدراج الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في أكتوبر 2025، والذي ينص صراحة على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي “الأساس الوحيد” للتفاوض، وذلك في إطار السيادة المغربية.
*خريطة التصويت: أغلبية واسعة وامتناعات محسوبة*
حظي القرار بتأييد 152 دولة، من بينها المغرب، بينما عارضته الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتنعت سبع دول هي: بروناي، الكاميرون، فرنسا، هندوراس، ليبيريا، المالديف، والمملكة المتحدة. وتكمن دلالة هذا التوزيع في أن أغلبية الدول صادقت على نص يحيل، ولو بشكل غير مباشر، إلى إطار تفاوضي محدد سلفاً، وهو ما يُغلق عملياً الباب أمام العودة إلى خيار “استفتاء تقرير المصير” التقليدي الذي كانت تطالب به جبهة البوليساريو.
*المكسب الاستراتيجي: من “المصداقية” إلى “الأساس الوحيد”*
القيمة الحقيقية لهذا القرار لا تُقاس بعدد الأصوات، بل في المرجعية التي يرسّخها. فالقرار 2797 كان قد أحدث تحولاً في مقاربة مجلس الأمن، إذ انتقل من مرحلة “إدارة النزاع” إلى مرحلة “التسوية الفعلية”، عبر ربط الحكم الذاتي بالسيادة المغربية بشكل صريح. وبإدراج هذا القرار في وثائق الجمعية العامة، تصبح أي قراءة مستقبلية للنزاع محكومة بهذا الإطار، مما يمنح المغرب غطاءً أممياً لتثبيت سيادته على الأقاليم الجنوبية.
*فرنسا: امتناع براغماتي لا تراجع*
قد يبدو الامتناع الفرنسي متناقضاً مع موقف باريس المعلن منذ يوليوز 2024، والذي يؤكد أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية. غير أن التفسير يكمن في ملفات تصفية الاستعمار التي تواجهها فرنسا نفسها في بولينيزيا وكاليدونيا الجديدة. فباريس، التي تعارض أي تدخل أممي في ملفاتها الخاصة، تجنّبت التصويت لصالح نص يُكرّس حق تقرير المصير للشعوب المستعمرة، خشية استخدامه ضدها لاحقاً. وبذلك، فإن الامتناع الفرنسي هو تحفظ على الصياغات التقليدية، وليس تراجعاً عن دعم الطرح المغربي.
*الجزائر: تصويت مضطر لصالح نص يحيل إلى إطار لا تريده*
المفارقة الأبرز في هذا التصويت هي أن الجزائر والمغرب صوّتا معاً لصالح القرار نفسه. ويعود ذلك إلى أن النص، كونه قراراً سنوياً، لا يزال يحتفظ بلغة “تقرير المصير” التقليدية، وهي اللغة التي صوّتت الجزائر لصالحها. لكن بما أن التصويت كان على النص بأكمله وليس على فقراته، وجدت الجزائر نفسها مضطرة لقبول الإشارة إلى القرار 2797 كجزء من الحزمة، مما يعني أنها صادقت بشكل غير مباشر على إطار تفاوضي يقوم على “الأساس الوحيد” المغربي.
*الرابح من يثبّت مرجعيته لا من يحكم الأصوات*
في المحصلة، لا يقاس المكسب الدبلوماسي بعدد الأصوات، بل بالقدرة على تثبيت مرجعية قانونية وسياسية داخل وثائق الأمم المتحدة. وبإدراج القرار 2797 في قرار اللجنة الرابعة، يكون المغرب قد نجح في تحويل “المصداقية” التي كانت تُمنح لمبادرته سابقاً إلى “الأساس الوحيد” المعتمد رسمياً. أما فرنسا، فاختارت حماية مصالحها في ملفاتها الاستعمارية الخاصة، فيما قبلت الجزائر، على مضض، نصاً يحيل إلى إطار لا تريده. وهكذا، يبقى الرابح الاستراتيجي هو من تمكن من فرض مرجعيته، لا من تحكم في توزيع الأصوات.