لماذا فشلت الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد في المغرب؟
الميزان/ الدار البيضاء: المصطفى قصاب
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على إطلاقها، وبعد صرف مئات الملايير من الدراهم على الندوات واللجان والتقارير، يبدو أن الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد (2016-2025) انتهت إلى ما بدأت به: صفر نتائج ملموسة، وتقهقر المغرب في مؤشرات الشفافية الدولية، وازدياد شعور المواطن بأن الفساد أصبح ثقافة دولة ومؤسسات، وليس مجرد سلوك أفراد.
هذا التحقيق يغوص في أرقام الفشل، وأسباب الإخفاق، ومن يتحمل المسؤولية.
1. الوعود الكبرى.. والأرقام الصادمة
أطلقت الحكومة المغربية سنة 2016 الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، بتعليمات ملكية سامية، وبدعم من البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وكانت الأهداف طموحة:
– الانتقال من المرتبة 90 إلى المرتبة 50 في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية بحلول 2025.
– تقليص نسبة الرشوة في الإدارات العمومية بـ 50%.
– رقمنة 100% من الخدمات العمومية.
ماذا تحقق اليوم في أكتوبر 2026؟
– تقهقر لا تقدم: احتل المغرب المرتبة 97 عالميا من أصل 180 دولة في تقرير منظمة الشفافية الدولية لسنة 2024-2025، متراجعا بسبع درجات عن سنة 2016. أي أننا أصبحنا أكثر فسادا بعد الاستراتيجية.
– الرشوة في ارتفاع: حسب تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها لسنة 2024، فإن 53% من المواطنين الذين ارتادوا الإدارات العمومية صرحوا بأنهم اضطروا لدفع رشوة، مقابل 41% سنة 2016.
– الرقمنة معطلة: فقط 32% من الخدمات العمومية تمت رقمنتها بشكل فعلي، والباقي مجرد منصات إلكترونية لا تشتغل أو تطلب حضور المواطن في النهاية.
ويقول رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، في تصريح للجريدة: “الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد كانت مجرد وثيقة للاستهلاك الخارجي أمام المانحين الدوليين. لا إرادة سياسية حقيقية، ولا استقلالية للمؤسسات المكلفة بالمحاربة.
2. لماذا فشلت؟ خمسة أسباب قاتلة
من خلال مقابلات مع خبراء ومسؤولين سابقين في الهيئة الوطنية للنزاهة، حددنا خمسة أسباب جوهرية لفشل الاستراتيجية:
أولا: هيئة بلا أسنان
الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، التي من المفروض أن تكون قاطرة المحاربة، ظلت طيلة 10 سنوات مؤسسة استشارية فقط، بلا صلاحيات للتحقيق أو المتابعة أو الحجز. تقاريرها تحال على رئيس الحكومة ويتم وضعها في الرفوف. رئيسها السابق محمد بشير الراشدي قالها صراحة قبل استقالته: نحن هيئة لتشخيص الفساد وليس لمحاربته.
ثانيا: تضارب المصالح والحصانة
كيف نحارب الفساد ومن يفوتون الصفقات هم أنفسهم من يراقبونها؟ كيف نحارب الفساد وبرلمانيون متابعون في قضايا اختلاس وتبديد أموال عمومية لا يزالون يشرعون القوانين؟ تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2023 أحال 22 ملفا على القضاء تتعلق باختلالات بملايير الدراهم، لم يحاكم منها سوى ملفين.
ثالثا: الإفلات من العقاب
منذ 2016، تمت متابعة أقل من 5% من ملفات الفساد الكبرى التي تفوق قيمتها 10 ملايين درهم. في المقابل، تتم متابعة موظف صغير ارتشى 200 درهم بالسجن النافذ. هذه الازدواجية قتلت ثقة المواطن.
رابعا: المقاومة الشرسة للإدارة
الاستراتيجية كانت تراهن على الرقمنة لتقليص الاحتكاك بين المواطن والموظف. لكن الإدارات نفسها قاومت الرقمنة، لأن الرشوة أصبحت جزءا من مدخولها غير الرسمي. مثال: قطاع التعمير، المحافظة العقارية، الصفقات العمومية، الصحة (المصحات)، التعليم الخاص.
خامسا: غياب حماية المبلغين
القانون 37.10 المتعلق بحماية المبلغين عن الفساد لا يزال حبرا على ورق. كل من بلغ عن الفساد تم طرده أو التنقيل به أو متابعته بتهمة إفشاء السر المهني. آخر مثال موظف في وزارة الصحة بلغ عن صفقة كمامات فاسدة فتم توقيفه.
3. كلفة الفساد: 50 مليار درهم سنويا
حسب دراسة للبنك الدولي، فإن كلفة الفساد في المغرب تقدر بـ 5% من الناتج الداخلي الخام. أي حوالي 50 مليار درهم سنويا. أي ما يعادل ميزانية وزارتي الصحة والتعليم مجتمعتين.
هذه الأموال كان من الممكن أن تبني 500 مستشفى و1000 مدرسة سنويا.
4. ما العمل؟ هل انتهى كل شيء؟
انتهت مدة الاستراتيجية 2016-2025 دون تحقيق أي هدف. والآن الحكومة تتحدث عن استراتيجية جديدة 2026-2030.
ويرى خبراء أن أي استراتيجية جديدة لن تنجح إلا بثلاثة شروط:
1. تحويل الهيئة الوطنية للنزاهة إلى نيابة عامة مستقلة لها صلاحية التحقيق والحجز والمتابعة، على غرار النموذج الرواندي.
2. منع ترشح كل من صدر في حقه تقرير للمجلس الأعلى للحسابات من تولي أي مسؤولية عمومية.
3. إقرار قانون الإثراء غير المشروع الذي يناقش في البرلمان منذ 2013 وتم تجميده.
وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، الدكتور عمر الشرقاوي: “محاربة الفساد ليست تقنية، بل هي قرار سياسي. بدون إرادة سياسية عليا لقطع رؤوس الفساد الكبيرة، ستبقى كل الاستراتيجيات مجرد حبر على ورق.
فشلت الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد لأنها حاربت الفساد الصغير وتركت الفساد الكبير. حاربت الرشوة بـ 20 درهما في المقاطعة، وتركت صفقات بمئات الملايير تمر دون حساب.
اليوم، المواطن المغربي لا يثق لا في الاستراتيجيات ولا في التقارير. المواطن يريد أن يرى مسؤولا كبيرا واحدا في السجن بسبب الفساد، حتى يصدق أن الدولة جادة في محاربته.. فهل سنشهد ذلك في الاستراتيجية الجديدة 2026-2030؟ أم سنعيد إنتاج نفس الفشل؟