السياسيةالفقه والشريعةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

من الممارسة الإبستيمولوجية إلى الدراسات البينية: مقاربة تحليلية بين التاريخ الأدبي والفنون

الميزان/ بني ملال: متابعة

almizan.ma

من الممارسة الإبستيمولوجية إلى الدراسات البينية: مقاربة تحليلية بين التاريخ الأدبي والفنون
الميزان/ بني ملال: متابعة


تقرير عن اللقاء التكويني لفائدة طلبة ماستر النقد الأدبي والفني
كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال • السبت 07 نونبر 2026 • الساعة العاشرة صباحا
تثير العلاقة بين التاريخ الأدبي والفنون جملة من القضايا المنهجية، تتصل أساسا باختلاف طبيعة الموضوعات التي يشتغل عليها كل حقل، وبالمناهج المعتمدة في دراستها. فالتاريخ الأدبي يهتم بتطور الأشكال والأنواع الأدبية، وبالتحولات التي عرفتها الكتابة في ارتباطها بسياقاتها التاريخية والثقافية، في حين تستدعي دراسة الفنون النظر في خصوصية التعبير الجمالي ووسائطه المختلفة. وتزداد هذه العلاقة تعقيدا حين يتعلق الأمر بظواهر ثقافية تتقاطع فيها التجربة الأدبية مع التعبيرات الفنية، إذ يصبح من الضروري الاستعانة بمقاربات متعددة لفهم أبعادها. ومن هنا تبرز أهمية الدراسات البينية وما تثيره من أسئلة حول إمكانات التكامل بين المناهج، وحدود توظيف المفاهيم والأدوات الإجرائية خارج الحقول المعرفية التي نشأت فيها.
نظمت كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان، بشراكة مع المنظمة الدولية لحماية التراث، لقاء تكوينيا لفائدة طلبة ماستر النقد الأدبي والفني، يوم السبت 07 نونبر 2026، على الساعة العاشرة صباحا، في موضوع “من الممارسة الإبستينولوجية إلى الدراسات البينية: مقاربة تحليلية بين التاريخ الأدبي والفنون.”
وشارك في تأطير هذا اللقاء الأستاذ الدكتور محمد جودات، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، والباحث في السيميائيات والتراث الثقافي، إلى جانب الأستاذة الدكتورة تيسير محمد محمد شادي، أستاذة التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة دمنهور بجمهورية مصر العربية، ورئيسة فرع المنظمة الدولية لحماية التراث بمصر وعضو لجنتها العلمية. وتولى تنسيق أشغال اللقاء الأستاذ الدكتور رشيد طلال، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان.
تكتسب القضايا التي يطرحها هذا اللقاء أهمية خاصة بالنسبة إلى طلبة ماستر النقد الأدبي والفني، بالنظر إلى تنوع المجالات التي يشملها تكوينهم، وما يقتضيه الاشتغال على النصوص الأدبية والأعمال الفنية من معرفة بالمناهج النقدية ومجالات تطبيقها. فدراسة الرواية أو القصيدة تختلف، من حيث طبيعة المادة المدروسة وإجراءات التحليل، عن دراسة اللوحة التشكيلية أو العرض المسرحي أو العمل السينمائي. ويثير هذا التنوع جملة من الأسئلة المرتبطة بحدود المناهج النقدية وإمكانات الإفادة منها في دراسة أشكال التعبير المختلفة. وتبرز في هذا الإطار أهمية الدراسات البينية، خاصة في تناول القضايا التي تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والأدبية والجمالية، وما يستدعيه ذلك من معرفة بخصوصيات الحقول المعنية وتطور مفاهيمها ومناهجها.


الممارسة الإبستمولوجية وسؤال حدود المنهج
تقتضي المراجعة الإبستمولوجية النظر في الأسس المعرفية التي تستند إليها المفاهيم النقدية، وفي مدى ملاءمتها للموضوعات التي توظف في دراستها. فمفاهيم البنية والعلامة والتمثيل والسياق، على سبيل المثال، اكتسبت دلالاتها ضمن تصورات نظرية ومناهج مختلفة، وهو ما يستدعي مراعاة خصوصياتها عند الانتقال من تحليل النصوص الأدبية إلى دراسة الأعمال الفنية. فمفهوم البنية في التحليل الأدبي يرتبط بالعلاقات التي تنتظم بها مكونات النص، بينما تتطلب دراسته في الفنون التشكيلية الاهتمام بتوزيع الأشكال والألوان والكتل والفراغات داخل التكوين البصري. وتطرح هذه الاختلافات أسئلة تتعلق بمدى قدرة المفاهيم النقدية على استيعاب خصوصية كل مجال، وبالحدود التي ينبغي مراعاتها عند توظيفها خارج سياقاتها النظرية الأصلية.
وتتيح المقاربة السيميائية إمكانات منهجية لدراسة الخطاب الجمالي، من خلال الاهتمام بالعلاقات التي تنتظم بها عناصره وتسهم في بناء دلالاته. ففي اللوحة التشكيلية، تتحدد الوظيفة التعبيرية للون بحسب موقعه داخل التكوين البصري، وتفاعله مع الخطوط والكتل والفراغات والإضاءة. أما في النص الشعري، فإن دراسة الصورة تستدعي النظر في بنيتها اللغوية وعلاقاتها التركيبية والإيقاعية، وما يرتبط بها من إيحاءات وتصورات تخييلية. وتكشف المقارنة بين هذين المجالين عن اختلاف الآليات التي تتشكل بها الدلالة، وهو اختلاف ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند توظيف المفاهيم السيميائية في دراسة الأعمال الأدبية والفنية.
وتقتضي دراسة الخطاب الجمالي من منظور سيميائي مراعاة الأبعاد التاريخية والثقافية التي تتدخل في إنتاج الدلالة وتأويلها. فالعلاقات التي تنتظم بها العلامات داخل العمل الفني تمثل جانبا أساسيا من التحليل، غير أن فهم دلالاتها يرتبط أيضا بالمرجعيات الثقافية والخبرات الجمالية التي يستحضرها المتلقي أثناء القراءة. وقد تختلف دلالة الرمز الواحد باختلاف السياقات التي يستعمل فيها، والتحولات التي تطرأ على وظائفه عبر التاريخ. وتثير هذه المسألة إشكالات منهجية تتعلق بحدود التحليل السيميائي، ومدى الحاجة إلى الاستعانة بمقاربات أخرى لاستيعاب الجوانب التي يتعذر تفسيرها بالاعتماد على البنية الداخلية للعمل وحدها.
وتندرج هذه الإشكالات ضمن النقاش الإبستمولوجي المتعلق بإمكانات توظيف المناهج النقدية في حقول معرفية مختلفة. فاستعمال مفاهيم نشأت في سياق الدراسات اللسانية والأدبية لتحليل الأعمال الفنية يستدعي فحص أسسها النظرية، والنظر في مدى ملاءمة إجراءاتها لطبيعة المادة المدروسة. وتبرز أهمية هذا التوجه في الدراسات البينية، حيث يواجه الباحث إشكالية الجمع بين أدوات تحليلية تنتمي إلى تقاليد معرفية متباينة. ويقتضي التعامل مع هذه الإشكالية وعيا بالاختلافات القائمة بين الحقول، وقدرة على تكييف الإجراءات المنهجية بما يتناسب مع خصوصية الموضوع وأسئلة البحث.

التاريخ الأدبي والفنون: جدلية السياق والتشكيل
تثير دراسة العلاقة بين التاريخ الأدبي والفنون قضايا تتصل بتطور الأشكال التعبيرية وتحول وظائفها الجمالية في سياقات تاريخية وثقافية مختلفة. فالأعمال الأدبية والفنية تتأثر بالتحولات التي تشهدها المجتمعات، وبما يصاحبها من تغير في التصورات الفكرية والقيم الجمالية وأساليب التلقي. ويتطلب البحث في هذه العلاقة تتبع الظروف التي أسهمت في ظهور الأجناس الأدبية والاتجاهات الفنية وتطورها، إلى جانب دراسة الخصائص التي تميز كل تجربة إبداعية. وقد تشترك أعمال تنتمي إلى مجالات فنية وأدبية مختلفة في التعبير عن قضايا عصرها، إلا أن طرائق معالجتها تتباين بحسب طبيعة الوسيط التعبيري واختيارات المبدع الجمالية. ويكتسب الربط بين التاريخ الأدبي وتاريخ الفنون أهميته من إمكان دراسة هذه التحولات في امتداداتها التاريخية، والكشف عن أوجه التفاعل بين التجارب الإبداعية مع مراعاة خصوصياتها الفنية.
تتضح أهمية العلاقة بين التاريخ الأدبي والفنون عند دراسة التعبيرات المرتبطة بالتراث والذاكرة الجماعية، بالنظر إلى ما تحمله الرموز والزخارف والأشكال المعمارية من دلالات تاريخية وثقافية. فقد ارتبطت هذه العناصر، في سياقات نشأتها، بتصورات دينية واجتماعية وجمالية أسهمت في تحديد وظائفها وأشكال حضورها في الحياة الثقافية. وقد عرفت بعض هذه الرموز تحولات في دلالاتها تبعا لتغير الظروف التاريخية وتطور أساليب التعبير الفني. وتقتضي دراستها، من ثم، معرفة بالسياقات التي ظهرت فيها، وتتبع الكيفية التي جرى بها توظيفها في التجارب الأدبية والفنية اللاحقة.
وتطرح هذه العلاقة إشكالية تتصل بموقع السياق التاريخي في تفسير الأعمال الإبداعية. فالمعرفة بالظروف الاجتماعية والثقافية التي أحاطت بإنتاج العمل تساعد على فهم مرجعياته وبعض اختياراته التعبيرية، إلا أن التحليل النقدي يستدعي الاهتمام أيضا بطبيعة البناء الفني وخصائصه الجمالية. فاستحضار واقعة تاريخية أو شخصية تراثية داخل نص أدبي، مثلا، يخضع لطبيعة الجنس الأدبي وللرؤية التي توجه عملية الكتابة، وقد تكتسب العناصر المستحضرة وظائف جديدة بحسب موقعها في النص وعلاقاتها بمكوناته الأخرى. وينسحب الأمر نفسه على الفنون التشكيلية والمسرحية التي تستثمر عناصر من الموروث الثقافي ضمن أشكال تعبيرية مختلفة.
وتبرز في هذا السياق أهمية الإفادة من المعرفة التاريخية والمقاربات السيميائية والنقدية في دراسة هذه الظواهر. فالبحث التاريخي يتيح تتبع أصول الرموز وتحولات استعمالها، ويساعد التحليل السيميائي على دراسة العلاقات الدلالية التي تنشأ بين العناصر المكونة للعمل الفني، في حين يوفر النقد الأدبي أدوات لدراسة الأساليب والأجناس والتناص وآليات بناء الخطاب. ويتحدد توظيف هذه المقاربات بحسب طبيعة المادة المدروسة والإشكالية التي ينطلق منها الباحث، مع مراعاة الاختلافات المنهجية بين الحقول المعرفية المعنية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند دراسة حضور التراث في الإبداع المعاصر، حيث تتنوع أشكال استثماره تبعا لاختلاف التجارب الفنية والأدبية. فقد يستحضر الشاعر رمزا تراثيا ليمنحه دلالة تتصل بتجربته الخاصة، مثلما قد يستعيد الفنان التشكيلي عنصرا زخرفيا أو معماريا ويعيد توظيفه داخل تكوين بصري جديد. وتسمح دراسة هذه التحولات بتتبع العلاقة بين الموروث الثقافي وأشكال التعبير الحديثة، والكشف عن التغيرات التي تطرأ على وظائف العناصر التراثية ودلالاتها في سياقات إبداعية مختلفة.
وتفتح هذه القضايا مجالا للبحث في طبيعة الصلات القائمة بين التاريخ الأدبي والفنون، وما تثيره من إشكالات تتعلق بتطور الأشكال التعبيرية وانتقال الموضوعات والرموز بين مجالات الإبداع. وتوفر الدراسات البينية إمكانا لمعالجة هذه المسائل من زوايا معرفية متعددة، مع ضرورة الانتباه إلى الخصائص التي تميز كل حقل وإلى حدود الأدوات المنهجية المعتمدة في دراسته. وتزداد أهمية هذا التوجه حين يتعلق الأمر بموضوعات تتداخل فيها المعطيات التاريخية والثقافية والجمالية، ويصعب الإحاطة بمختلف أبعادها انطلاقا من منظور تخصصي واحد.
الدراسات البينية ورهانات التكوين النقدي
تكتسب القضايا التي يثيرها موضوع اللقاء أهمية خاصة في تكوين طلبة ماستر النقد الأدبي والفني، بالنظر إلى ما تطرحه الممارسة البحثية من صعوبات تتعلق باختيار المناهج وتحديد المفاهيم وضبط إجراءات التحليل. فإعداد بحث أكاديمي يستدعي معرفة بطبيعة المادة المدروسة، وقدرة على صياغة إشكالية واضحة تستند إلى أسئلة محددة، وتستثمر الأدوات المنهجية الملائمة لمعالجتها. وتبرز أهمية التكوين النقدي في تنمية هذه المهارات، وتمكين الطالب من الانتقال من المعرفة النظرية بالمناهج إلى توظيفها في دراسة النصوص والأعمال الفنية، مع الحرص على تعليل الأحكام والنتائج انطلاقا من الشواهد التي يوفرها موضوع البحث.
وتزداد هذه الصعوبات حين يتناول الباحث موضوعات تتقاطع فيها مجالات الأدب والتاريخ والفنون، حيث تتطلب طبيعة المادة المدروسة مراعاة الاختلاف بين الأجناس التعبيرية وطرائق بنائها. فدراسة الصورة الشعرية تقتضي إجراءات تختلف عن تلك التي يستدعيها تحليل الصورة التشكيلية، مثلما تتطلب دراسة حضور التاريخ في النص الروائي التمييز بين الوقائع التاريخية وطريقة تمثلها داخل البناء السردي. ويترتب على ذلك ضرورة التفكير في حدود المفاهيم المستعملة، وفي مدى صلاحيتها لتحليل موضوعات تنتمي إلى مجالات معرفية مختلفة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الدراسات البينية في معالجة الموضوعات التي تتداخل فيها أبعاد تاريخية وأدبية وجمالية. وقد يستفيد الباحث من معطيات التاريخ الثقافي في تحديد مرجعيات نص أدبي، ومن التحليل السيميائي في دراسة أنساقه الدلالية، ومن النقد الأدبي في الكشف عن خصائص بنائه وأساليبه التعبيرية. ويتوقف حسن توظيف هذه المقاربات على طبيعة الإشكالية المطروحة، وعلى قدرة الباحث على تحديد ما يمكن أن يقدمه كل منهج لفهم جوانب الموضوع المدروس. وتقتضي هذه العملية معرفة بالأسس النظرية للمناهج، وبالاختلافات القائمة بينها من حيث المفاهيم والإجراءات ومجالات التطبيق.
ويكتسب هذا التوجه دلالة خاصة في ضوء موضوع اللقاء، الذي يفتح المجال لمناقشة الأسس الإبستمولوجية للبحث في العلاقة بين التاريخ الأدبي والفنون. فتناول هذه العلاقة يستدعي النظر في تطور الأشكال الأدبية والفنية، وفي التحولات التاريخية والثقافية التي أسهمت في تشكيلها، إلى جانب دراسة ما ينشأ بينها من تفاعلات على مستوى الموضوعات والرموز والأساليب التعبيرية. وتتيح هذه المقاربة للباحث إمكان تناول الظواهر الإبداعية من زوايا متعددة، مع مراعاة طبيعة كل مجال والخصوصيات التي تميز موضوعاته.
وتتحدد أهمية هذا التكوين بالنسبة إلى طلبة الماستر في ما يوفره من فرص لتطوير ممارساتهم البحثية وتوسيع مجالات اشتغالهم، خاصة في الموضوعات التي تتجاوز حدود التخصص الواحد. كما يساعدهم على بناء تصور منهجي أكثر وضوحا للعلاقة بين الإشكالية والمفاهيم والإجراءات المعتمدة في التحليل، بما يسهم في تطوير قدرتهم على دراسة الظواهر الأدبية والفنية في أبعادها التاريخية والثقافية والجمالية.
البعد المؤسساتي والثقافي للقاء
يكتسب هذا اللقاء أهمية على المستوى المؤسساتي من خلال الشراكة التي جمعت كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال والمنظمة الدولية لحماية التراث، في إطار الاهتمام المشترك بالقضايا المرتبطة بالتاريخ والثقافة والفنون. وتتيح هذه الشراكة فرصا للتعاون بين المؤسسة الجامعية والهيئات الثقافية في المجالات المتصلة بدراسة التراث والتعريف به، خاصة أن البحث في الموروث الثقافي يستدعي معرفة بسياقاته التاريخية، وبالتحولات التي عرفتها أشكال التعبير عنه عبر العصور. كما يفتح هذا التعاون مجالا لتبادل الخبرات العلمية والاستفادة من المقاربات التي طورتها تخصصات مختلفة في دراسة الظواهر الثقافية والفنية.
وقد شكلت مشاركة الأستاذة الدكتورة تيسير محمد محمد شادي، أستاذة التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة دمنهور بجمهورية مصر العربية، ورئيسة فرع المنظمة الدولية لحماية التراث بمصر وعضو اللجنة العلمية، مناسبة لتعزيز التواصل الأكاديمي والثقافي بين الباحثين المغاربة والمصريين. ويكتسب حضورها أهمية بالنظر إلى طبيعة اختصاصها العلمي وصلته بالقضايا التي تناولها اللقاء، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة بين المعرفة التاريخية والدراسات الأدبية والفنية. كما أتاح اجتماع هذا الاختصاص مع اهتمامات الأستاذ الدكتور محمد جودات في مجال السيميائيات والتراث الثقافي فرصة لطرح قضايا منهجية تتصل بتعدد المقاربات المعتمدة في دراسة النصوص والأعمال الفنية.
وفي ختام هذا اللقاء، جرى تكريم الأستاذة الدكتورة تيسير محمد محمد شادي، تقديرا لمشاركتها العلمية وإسهامها في تأطير هذا النشاط التكويني. وقد عكس هذا التكريم اهتمام الجهة المنظمة بتثمين المشاركة الأكاديمية وتعزيز علاقات التعاون بين الباحثين والمؤسسات الجامعية والثقافية، فضلا عن دلالته في سياق التواصل العلمي المغربي المصري.
وقد تولى تنسيق هذا اللقاء الأستاذ الدكتور رشيد طلال، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان، في إطار الأنشطة العلمية الموجهة لطلبة ماستر النقد الأدبي والفني. وتندرج هذه المبادرة ضمن الجهود الرامية إلى إغناء التكوين الجامعي، من خلال إتاحة الفرصة للطلبة للتواصل مع أساتذة وباحثين من تخصصات مختلفة، والتعرف إلى قضايا معرفية ومنهجية ترتبط بمجالات دراستهم واهتماماتهم البحثية.

خلاصة نقدية
تتيح القضايا التي يثيرها موضوع اللقاء إعادة النظر في بعض الإشكالات المنهجية المرتبطة بدراسة العلاقة بين التاريخ الأدبي والفنون، وخاصة ما يتعلق بحدود التخصصات وإمكانات الإفادة من مناهجها في معالجة الظواهر الأدبية والفنية. فقد أضحى تنوع الموضوعات والوسائط التعبيرية يفرض على الباحث معرفة بالمقاربات النقدية المختلفة، وقدرة على اختيار ما يلائم منها طبيعة المادة المدروسة. وتبرز في هذا السياق أهمية التفكير الإبستمولوجي في فحص الأسس النظرية للمناهج، وتحديد مجالات اشتغالها، والنظر في إمكانات توظيفها ضمن دراسات تتقاطع فيها حقول معرفية متعددة.
وتكتسب العلاقة بين التاريخ الأدبي والفنون أهمية خاصة بالنظر إلى ما تثيره من أسئلة حول تطور الأشكال التعبيرية وصلتها بالتحولات التاريخية والثقافية. وتسمح المقاربات البينية بدراسة هذه العلاقة من زوايا مختلفة، حيث تسهم المعرفة التاريخية في توضيح سياقات إنتاج الأعمال ومرجعياتها الثقافية، بينما توفر المناهج النقدية والسيميائية أدوات لتحليل خصائصها الجمالية وأنساقها الدلالية. وتقتضي الإفادة من هذه المقاربات تحديد الإشكالية التي توجه البحث، وضبط المفاهيم والإجراءات المعتمدة، مع الاستناد إلى الشواهد المناسبة في بناء الأحكام والنتائج.
ومن هذه الزاوية، تتضح الأهمية التكوينية للقاء بالنسبة إلى طلبة ماستر النقد الأدبي والفني، لما يتيحه موضوعه من فرص للتفكير في طبيعة الممارسة البحثية والصعوبات التي تطرحها دراسة الموضوعات المشتركة بين الأدب والتاريخ والفنون. كما يفتح المجال أمام تطوير اهتمامات بحثية تستفيد من تعدد المقاربات، وتسعى إلى معالجة الظواهر الإبداعية في أبعادها المختلفة. ويظل تطوير هذا التوجه مرتبطا بقدرة الباحث على تحويل المعارف النظرية إلى إجراءات تحليلية واضحة، وعلى بناء قراءاته انطلاقا من أسئلة دقيقة تراعي طبيعة الموضوع والخصوصيات المنهجية للحقول المعرفية المتداخلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى