“حقّ الله على العباد؛ بين التوحيد والوفاء بالعقود..”.
الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن
قراءة تربوية نفسية روحية قيمية في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه..
مقدمة:
يُعدّ حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه من الأحاديث الجامعة التي تختزل لبّ الرسالة الإسلامية، وتؤسس لمنظومة عقدية وتربوية وأخلاقية متكاملة.
فهو لا يقتصر على بيان أصل التوحيد، بل يكشف عن منطق العلاقة بين العبد وربه بوصفها عقدًا أخلاقيًا ووجوديًا، له شروطه، وآثاره، ومآلاته.
ويكتسب هذا الحديث أهمية خاصة في زمن اختلطت فيه مفاهيم الالتزام، وتفككت فيه صورة “العهد” في النفوس، فأصبح كثير من الناس يطالبون بحقوقهم، دون وعي عميق بحق الله عليهم، ودون إدراك أن الوفاء بالعقود الإنسانية والاجتماعية إنما ينبع أصلًا من الوفاء بالعقد الأكبر: عقد العبودية لله.
أولا: السياق النبوي وبناء المعنى التربوي؛
1 – المشهد التربوي في الحديث:
“بينما أنا رديف النبي ﷺ…”
هذا التوصيف ليس عابرًا، بل يحمل دلالات تربوية عميقة:
– القرب الجسدي (رديفه): إشارة إلى القرب القلبي والتربوي.
– الهدوء الزمني (سار ساعة): تهيئة نفسية قبل إلقاء المعنى.
– النداء المتكرر: بناء الانتباه، وإشعار المخاطَب بعظمة ما سيُلقى عليه.
إنه أسلوب نبوي في هندسة الوعي، لا تلقين معلومة.
2 – أدب التلقي وبناء النفس المتعلمة
قول معاذ: “لبيك رسول الله وسعديك”؛
يتجلى هنا:
– الاستعداد النفسي.
– التواضع المعرفي.
– تعليق العلم على مصدره.
وهذه القيم هي المدخل الحقيقي لأي تربية إيمانية أو علمية صحيحة.
ثانيا: حقّ الله على العباد – الأساس العقدي الوجودي؛
1 – تعريف حق الله:
“أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا”
هذا التعريف:
– لا يختزل العبادة في الشعائر.
– بل يجعلها منهج حياة، ونمط وعي، وسلوكًا يوميًا.
فالعبادة:
* توحيد في الاعتقاد.
* إخلاص في النية.
* استقامة في السلوك.
* عدل في التعامل.
* أمانة في العهد.
2 – الشرك بوصفه نقضًا للعقد:
الشرك ليس فقط عبادة صنم، بل:
– تعليق القلب بغير الله.
– جعل الهوى أو الخوف أو المال أو الناس مرجعية عليا.
– تقديم رضا المخلوق على أمر الخالق.
ومن هنا فكل انحراف قيمي عميق هو في جوهره خلل في الوفاء بعقد التوحيد.
ثالثا: حق العباد على الله – الوعد الإلهي ومآلات الوفاء؛
1 – المعنى العقدي الدقيق:
“أن لا يعذبهم”
هذا الحق:
* ليس إلزامًا لله (تعالى الله).
* بل وعدٌ تفضليٌّ كريم.
مرتبط بشرط: تحقيق التوحيد.
وهنا تتجلى رحمة الله وعدله:
– تكليف واضح.
– جزاء كريم.
– طريق مستقيم غير معقد.
2 – الأثر النفسي والتربوي:
هذا الوعد يولد:
– الطمأنينة الوجودية.
– الأمن النفسي.
– التحرر من القلق المرضي.
– الثبات أمام الابتلاء.
فالموحد الحق:
+ يعلم أن حياته ليست عبثًا.
+ وأن مآله محفوظ بوعد الله.
رابعا: حق الله على العباد بوصفه عقدًا أخلاقيًا شاملًا؛
1 – مفهوم العقد في الرؤية القرآنية
العقد في الإسلام:
– التزام واعٍ.
– مسؤولية أخلاقية.
– عهد يُسأل عنه العبد.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾
وأعظم العهود: “عهد العبودية”.
2 – مآلات الوفاء بعقد حق الله
الوفاء بهذا العقد ينتج:
– استقامة داخلية (ضمير حي).
– أمانة سلوكية (صدق، عدل، وفاء).
– اتزان نفسي (سلام داخلي).
– صلاح اجتماعي (ثقة، استقرار).
– نجاة أخروية (وعد عدم العذاب).
أما نقضه فيؤدي إلى:
– اضطراب نفسي.
– انفصام قيمي.
– ظلم للذات وللآخرين.
– قسوة القلب.
– فقدان المعنى.
خامسا: إسقاطات تربوية وسلوكية معاصرة؛
أ . في التربية:
– غرس التوحيد بوصفه مرجعية حياة لا مجرد درس.
– تعليم الأبناء أن الأمانة والصدق امتداد لعبادة الله.
ب. في العلاقات
– الوفاء بالعهود الزوجية والاجتماعية صورة من صور الوفاء مع الله.
– الخيانة في العلاقات انعكاس خلل في العقد الأكبر.
ج. في السلوك العام:
النزاهة، الإحسان، تحمل المسؤولية… كلها ثمار التوحيد الصادق.
خاتمة:
يكشف حديث معاذ رضي الله عنه؛
أن الإسلام ليس مجموعة أوامر متفرقة، بل منظومة عهد متكاملة:
* حق الله على العباد: توحيد وعبودية ووفاء.
* وحق العباد على الله: رحمة وأمان ونجاة.
ومن وعى هذا العقد، عاش متزنًا، ومات مطمئنًا، ووقف بين يدي الله وهو يعلم أنه وفّى بما عليه، فاستحق ما وُعد به.
فالتوحيد ليس فكرة، بل عهد.. والعبودية ليست شعيرة، بل وفاء…
والنجاة ليست صدفة، بل مآل عقدٍ صُدِّق وعُمل به.
د. عبد الرحيم أشن