الفقه والشريعةقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

أثر الصيام في تقوية الإيمان وإتقان العمل

الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن

almizan.ma

أثر الصيام في تقوية الإيمان وإتقان العمل
الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن
يهدف هذا البحث الذي كنت أعددته قبلا لاستثماره في موعظة رمضان؛ إلى دراسة الأثر التربوي لشريعة الصيام في بناء الإيمان، وترقية جودة الأداء العملي، من خلال قراءة علمية سِيرية تحليلية تستند إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسيرة النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم جميعا، مع استحضار الأبعاد النفسية والسلوكية المعاصرة.
وينطلق البحث من فرضية مركزية مفادها: أن الصيام ليس مجرد عبادة امتناع، بل هو مدرسة إيمانية عملية تُنتج إنسانًا أكثر ضبطًا، وصدقًا، وإحسانًا في عمله.
أولًا: الإطار المفاهيمي؛
1. مفهوم الصيام:
الصيام في الاصطلاح الشرعي:
التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.
وقد شُرع صيام رمضان بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؛الغاية المعلنة في الآية:
تحقيق التقوى، وهي ثمرة إيمانية قلبية تنعكس سلوكًا وعملاً.
2. مفهوم الإيمان:
الإيمان عند أهل السنة:
قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن ثم فإن أي عبادة تزيد العمل الصالح والانضباط السلوكي، فهي تقوّي الإيمان.
3. مفهوم إتقان العمل:
إتقان العمل في الرؤية الإسلامية هو تحقيق الإحسان، كما في حديث الإحسان:”أن تعبد الله كأنك تراه…”
والإحسان يمتد إلى كل مجالات الحياة، لقوله ﷺ:” إن الله كتب الإحسان على كل شيء”
ثانيًا: الصيام وبناء القوة الإيمانية؛
1. الصيام وتزكية الإرادة:
الصيام تدريب يومي على ضبط الشهوة، وتأجيل الرغبة، ومراقبة النفس.
وهذا يولّد:
– قوة إرادة؛
– قدرة على التحكم في الانفعالات؛
– مقاومة للاندفاع..
وهي كلها مظاهر إيمانية عملية.
التحليل النفسي:
من منظور علم النفس السلوكي، الصيام يعزز ما يسمى بـ “الضبط الذاتي”، وهو أحد أهم مؤشرات النضج النفسي.
2. الصيام ومراقبة الله:
الصيام عبادة سرية، لا يطّلع عليها إلا الله.
ولهذا جاء في الحديث القدسي:
“الصوم لي وأنا أجزي به”
وهذا يرسخ:
– الإخلاص؛
– الرقابة الذاتية؛
– استحضار نظر الله..
وكلما تعمقت المراقبة، قويت جذور الإيمان.
3. الصيام وتليين القلب:
في سيرة النبي ﷺ نلاحظ أنه كان أجود ما يكون في رمضان.
فالصيام يفتح مسارات الرحمة:
– استشعار الفقراء؛
– العطف على الضعفاء؛
– كسر الكِبر
وقد تجلت هذه المعاني في سلوك الصحابة، مثل:
* أبي بكر الصديق الذي جمع بين الصيام والصدقة وعيادة المرضى.
* عمر بن الخطاب الذي كان يبكي من خشية الله في رمضان.
ثالثًا: الصيام وإتقان العمل؛
1. الصيام مدرسة انضباط:
الصائم يلتزم بأوقات محددة:
– إمساك؛
– إفطار؛
– سحور؛
– قيام؛
– تلاوة..
هذا النظام اليومي يعيد برمجة الشخصية نحو:
– الالتزام؛
– احترام الوقت؛
– إدارة الطاقة..
وهي مفاتيح الإتقان المهني.
2. الصيام وتقوية الدافع الداخلي:
الصائم يعمل رغم الجوع والعطش، لكنه يستمد طاقته من المعنى.
وهنا تتشكل نقلة تربوية:
– الانتقال من العمل لأجل الراتب؛
إلى العمل لأجل الأمانة والرضا الإلهي.
وهذا التحول القيمي يُنتج عملاً متقنًا غير مرتبط بالرقابة الخارجية.
3. نماذج سِيرية في الجمع بين الصيام والعمل:
أ. غزوة بدر في رمضان؛
وقعت في رمضان، وفيها صام بعض الصحابة وأفطر بعضهم.
وكان ذلك في عهد سيدنا محمد ﷺ.
ورغم الصيام أو المشقة، تحقق النصر، مما يدل على أن الصيام لا يعطل الفاعلية، بل يعمّق المعنى.
2. فتح مكة؛
تم في رمضان، وكان فتحًا حضاريًا أخلاقيًا لا انتقامًا.
الصيام هنا لم يكن انسحابًا من الواقع، بل مشاركة في صناعة التاريخ.
رابعًا: الآليات التربوية التي تجعل الصيام مولدًا للإتقان؛
1. تحويل النية:
ربط كل عمل بنيّة تعبّدية:
– الدراسة → عبادة؛
– الوظيفة → أمانة؛
– خدمة الناس → قربى.
قال ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات”..
2. تدريب النفس على الإحسان الخفي:
الصيام يعلم الإنسان أن يعمل دون تصفيق.
وهذا جوهر الإتقان:
أن تؤدي العمل جيدًا ولو لم يرك أحد.
3. تهذيب اللسان:
قال ﷺ: “فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل…”
ضبط اللسان ينتج:
– تواصلاً أفضل؛
– علاقات مهنية صحية؛
– بيئة عمل أكثر استقرارًا.
خامسًا: الأثر القيمي والسلوكي الممتد بعد رمضان؛
الصيام ليس موسميًا، بل تأسيسيًا.
إذا نجح الصيام في بناء:
– تقوى القلب؛
– ضبط النفس؛
– مراقبة الله؛
– قيمة الإحسان..
فإن نتائجه تمتد إلى:
– جودة الأداء الوظيفي؛
– الالتزام الدراسي؛
– الصدق في المعاملات؛
– الانضباط الأسري؛
سادسًا: تطبيقات عملية معاصرة؛
1. مشروع “رمضان والإتقان”:
برنامج عملي يشمل:
– كتابة أهداف إيمانية ومهنية في بداية الشهر؛
– تقييم يومي للالتزام؛
– تدريب على تحسين عادة واحدة مرتبطة بالعمل..
2. دفتر مراقبة النية:
قبل كل مهمة يومية:
*لماذا أقوم بها*؟
– هل أستحضر نظر الله؟
3. تحدي الإحسان الصامت:
اختيار عمل واحد يوميًا يُتقن دون إخبار أحد به.
سابعًا: نتائج؛
الصيام يعمّق الإيمان عبر بناء المراقبة والتقوى.
* الصيام يعزز الضبط الذاتي، وهو أساس النجاح العملي.
* الصيام ينقل الدافع من خارجي إلى داخلي.
* الصيام ينتج شخصية منضبطة، مسؤولة، متقنة.
خاتمة:
الصيام ليس امتناعًا عن الطعام، بل هو امتناع عن الفوضى الداخلية.
ليس كفًّا عن الشهوة فحسب، بل تدريب على السيادة على النفس.
وإذا قويت النفس بالإيمان، أتقنت العمل.
فالصيام إذن:
– يصنع قلبًا حيًا؛
– وعقلاً منضبطًا؛
– وسلوكًا محسنًا؛
– وعملًا متقنًا..

     *وذلك هو الإنسان الذي أراده الله تعالى*:
– مؤمنًا في سره؛
– محسنًا في عمله؛
– نافعًا في مجتمعه..

هذا ليس برنامجا يتابع، بل طريق يسلك..
ثلاثون يوما نترك فيها ما ألفناه، ونمضي خفافا إلى الله.
هنا لا نعد الأعمال… بل نهيء القلب ليولد من جديد.
هذه صحبة رمضان فلندخلها بصدق.
د. عبد الرحيم أشن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى