دروس وعِبر ووقفات تأملية في ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال
الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن
مقدمة:
تحلّ ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال كواحدة من أهم المحطات الفاصلة في التاريخ المغربي الحديث، إذ لم تكن مجرد وثيقة سياسية تطالب بالتحرر من الاستعمار، بل كانت تعبيرًا واعيًا عن نضج وطني شامل، وتجسيدًا حيًا لتكامل الوعي الديني، والسياسي، والاجتماعي، والثقافي في وجدان الأمة المغربية.
إن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يظل حبيس الطقوس الاحتفالية أو السرد التاريخي الجاف، بل يجب أن يتحول إلى محطة تربوية توعوية تأملية نستخلص منها الدروس والعبر، ونستقرئ من خلالها معاني المسؤولية، والتضحية، والوفاء، والاستمرارية الحضارية.
أولًا: السياق التاريخي لتقديم وثيقة الاستقلال؛
1. الظروف السياسية والاجتماعية:
جاء تقديم وثيقة الاستقلال في سياق استعماري معقّد، اتسم بـ:
– فرض الوصاية الاستعمارية، ومحاولة طمس الهوية الدينية والوطنية.
– تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية.
– سياسة الإضعاف الثقافي واللغوي.
غير أن هذه الظروف القاسية أسهمت في إيقاظ الوعي الوطني الجماعي، وبلورة مشروع تحرري متكامل.
2. النخب الوطنية ودورها التاريخي:
برزت نخبة وطنية واعية جمعت بين:
– العلم الشرعي والفقه السياسي.
– الوعي التاريخي والبصيرة المستقبلية.
– الجرأة الأخلاقية في مواجهة الاستعمار.
وكان تقديم الوثيقة ثمرة تراكم نضالي طويل لا خطوة ارتجالية عابرة.
ثانيًا: البعد القيمي والتربوي في وثيقة الاستقلال:
1. الاستقلال قيمة قبل أن يكون حدثًا؛
الاستقلال في الوثيقة:
– تحرير للإنسان قبل الأرض.
– تحرير للوعي قبل المؤسسات.
– تحرير للقرار قبل السيادة الشكلية.
وهذا يرسّخ مبدأ تربويًا عميقًا مفاده:
لا تحرر سياسي دون تحرر نفسي وفكري.
2. التربية على المسؤولية الجماعية:
أبرزت الوثيقة أن:
– الوطن مسؤولية مشتركة.
– الحرية تكليف لا تشريف.
– الاستقلال بداية طريق لا نهايته.
وهذه معانٍ تربوية مركزية تحتاجها الأجيال المعاصرة في زمن الفردانية والاستهلاك.
ثالثًا: دروس وعِبر تاريخية من ذكرى تقديم الوثيقة؛
1. وحدة الصف أساس التحرر:
من أعظم الدروس:
– اجتماع العلماء، والسياسيين، والمقاومين.
– تجاوز الخلافات الثانوية لصالح المصلحة العليا.
درس تربوي:
الأمم لا تنتصر بالصراعات الداخلية، بل بالتكامل والتعاون.
2. الوعي هو سلاح التحرر الأول:
لم يبدأ التحرر بالبندقية فقط، بل بـ:
– الكلمة.
– الفكرة.
– التربية.
وهذا يؤكد أن:
الاستعمار الحقيقي يبدأ حين يُستعمر العقل.
3. التضحية شرط لكل نهضة:
ما تحقق لم يكن بلا ثمن:
– اعتقالات.
– نفي.
– تضحيات جسيمة.
درس قيمي:
الحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع بالصبر والثبات.
رابعًا: وقفات تأملية في معنى الاستقلال اليوم؛
1. هل ما زلنا نملك استقلال الوعي؟
سؤال تأملي ضروري:
– هل تحررنا من التبعية الفكرية؟
– هل ننتج قيمنا أم نستهلك قيم غيرنا؟
– هل نمتلك مشروعًا حضاريًا واضح المعالم؟
2. الاستقلال بين الماضي والواجب الحاضر:
*الاستقلال اليوم يعني:
– استقلال القرار التربوي والثقافي.
– استقلال المنظومة القيمية.
– استقلال بناء الإنسان قبل البنيان.
خامسًا: البعد التربوي التوعوي في تخليد الذكرى؛
1. تحويل الذكرى إلى مدرسة وعي:
ينبغي أن تتحول ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال إلى:
– مادة تربوية في المدارس.
– محتوى توعوي في الإعلام.
– محطة تأمل في المساجد والفضاءات الثقافية.
2. ترسيخ قيم الانتماء والوفاء:
من أهم القيم المستخلصة:
– الوفاء لتضحيات السابقين.
– الانتماء الواعي لا الشعاراتي.
– المواطنة المسؤولة.
سادسًا: رسائل تربوية للأجيال الصاعدة؛
– الوطن لا يُبنى بالتمني، بل بالفعل.
– الحرية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون حقًا قانونيًا.
– التاريخ ليس حكاية للماضي، بل بوصلة للمستقبل.
– من لا يحفظ ذاكرته الوطنية، يفقد هويته تدريجيًا.
خاتمة:
إن ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل هي درس متجدد في الوعي، والتربية، والمسؤولية الحضارية.
واستحضارها بعمق وتأمل يعيد ربط الحاضر بالماضي، ويجعل من الذاكرة الوطنية وقودًا لبناء مستقبل أكثر وعيًا، وعدلًا، وتماسكًا.
فالاستقلال الحقيقي لا يُقاس بتاريخ الوثائق، بل بمدى قدرتنا على صيانة معانيها، وتجديد رسالتها، وترجمتها إلى سلوك حضاري يومي.
د. عبد الرحيم أشن