السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

حملات الاعتقال في المغرب منذ حكومة إدريس المحمدي.. من مجزرة الغرب إلى دار بريشة ومعتقلات أحمد الطويل بالدار البيضاء – لماذا يطمس هذا التاريخ المؤلم؟

الميزان/ الرباط: مصلح ميلو

almizan.ma

حملات الاعتقال في المغرب منذ حكومة إدريس المحمدي.. من مجزرة الغرب إلى دار بريشة ومعتقلات أحمد الطويل بالدار البيضاء – لماذا يطمس هذا التاريخ المؤلم؟
الميزان/ الرباط: مصلح ميلو
إذا كان المغاربة يحتفلون باستقلالهم يوم 2 مارس 1956، فإن ذلك التاريخ لم يكن نهاية العنف، بل كان بدايته بشكل آخر: عنف مغربي ضد مغربي على السلطة.
في قلب هذا العنف تقف حكومة الاتحاد الوطني الأولى برئاسة البكاي لهبيل (7 دجنبر 1955)، وما لبث أن تحولت إلى حكومة يهيمن عليها حزب الاستقلال. وتحول وزير الدولة، إدريس المحمدي، في التعديل الحكومي يوم 27 أكتوبر 1956، إلى وزير للداخلية، إذ إن الأحداث عصفت بالحسن اليوسي.
وإدريس المحمدي ليس شخصية عابرة، فهو من أصدر أمر اعتقال عبد الله الوزاني الذي اختفى أثره بعد ذلك ويرجح أنه قتل في معتقل بريشة بتطوان.
منذ تلك اللحظة، بدأت حملة اعتقالات منظمة لم يشهد المغرب لها مثيلا، باسم بناء الدولة.
الفصل الأول: مجزرة سوق أربعاء الغرب – أول حمام دم سياسي
كانت الشرارة الأولى يوم 23 يناير 1956، أي قبل الاستقلال الرسمي بشهر ونصف.
يروي المؤرخ والقيادي في الشورى والاستقلال عبد الهادي بوطالب في كتابه “نصف قرن في السياسة” أنه “وقعت أحداث سطت فيها عصابات مسلحة على شباب من حزبنا في ناحية سوق الغرب”.
التفاصيل الدقيقة كما ترويها المصادر:
قصدها أعضاء من حزب الشورى والاستقلال آتون من وزان والرباط وسلا والدار البيضاء بمعية فرقة من الكشفية للاحتفال بتعيين المحجوبي أحرضان عاملاً على الرباط والناحية. وهناك اشتبكوا مع أعضاء من حزب الاستقلال وكانت الحصيلة مصرع 4 ضحايا من حزب الشورى والاستقلال.
رواية أخرى أكثر دموية تقول: بينما كان أعضاء من حزب الشورى والاستقلال وأنصارهم يحتشدون بمدينة سوق أربعاء الغرب، للاحتفال بتنصيب المحجوبي أحرضان عاملا على مدينة الرباط، فوجئوا بهجوم من طرف أعضاء من حزب الاستقلال مما أسفر عن وقوع مذبحة راح ضحيتها العشرات من الشوريين والعديد من الجرحى.
وحسب شهادة الحاج أحمد معنينو، فإن القائد المحلي استدعى كاتب فرع الشورى والاستقلال وأخبره بالاحتفال، فطلب إرسال بعض الكشافة من وزان والرباط والدار البيضاء، لكن الزوار فوجئوا عند مدخل الساحة بمصطفى النجاعي من حزب الاستقلال يسألهم عن دواعي قدومهم.
هذه المجزرة كانت إعلان حرب. وكما يقول الباحث إدريس الكنبوري في روايته “زمن الخوف” التي أرخت للحدث: نكل الاستقلاليون بالشوريين في يوم دام، وكان ذلك بداية النهاية لحزب الشورى والاستقلال.
الفصل الثاني: حملة الاغتيالات والاعتقالات المنظمة من مارس إلى يوليوز 1956.
بعد مجزرة الغرب، انفجرت البلاد:
– 31 مارس 1956: تمت تصفية الدكتور عمر الإدريسي رمياً بالرصاص رغم عدم تعاطيه لأي نشاط سياسي، وكان قد صُفيَ خطأ مكان المستهدف الحقيقي وهو الدكتور عبد الهادي مسواك عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المغربي. وفي نفس السنة تمت تصفية محمد السطي الكاتب الجهوي للحزب الشيوعي بالدار البيضاء ومحمد الفضالي كاتب فرع الحزب بالمحمدية.
– ربيع 1956: قام أعضاء حزب الشورى والاستقلال المتحالفون مع منظمة “الهلال الأسود” بعدّة اغتيالات وتصفيات استهدفت عناصر من حزب الاستقلال في أزيلال (ناحية بني ملال) وعلقوا جثثهم في الأشجار.
– 9 مايو 1956: اغتيل عبد الواحد العراقي كاتب فرع حزب الشورى والاستقلال بفاس وممثل العلماء في استشارات ايكس- ليبان، وذلك لأنه نادى بحل جيش التحرير على أمواج الإذاعة المغربية.
– يونيو – يوليوز 1956: اختفاء عبد الله الوزاني وعبد السلام الطود ومحمد الشرقاوي وعبد الكريم الحاتمي في معتقل دار بريشة بتطوان. وفي 5 يوليوز 1956 هاجم مسلحون إبراهيم الروداني، الوجه البارز في الحركة النقابية والمقاومة المسلحة، ولفظ أنفاسه الأخيرة في الحال.
كل هذا كان يتم تحت إشراف مديرية الأمن التي أسندها الملك محمد الخامس إلى قطب استقلالي هو محمد الغزاوي، الذي سهل التحاق قدماء المقاومة الوطنيين الذين اعتبرتهم فرنسا “مخربة” بإدارة الأمن الوطني.
الفصل الثالث: المعتقلات السرية – دولة داخل الدولة
أخطر ما في هذه المرحلة ليس القتل في الشارع، بل بناء نظام اعتقال سري.
تقول وثيقة تاريخية: أقيمت مراكز الاعتقال السري في جميع جهات المغرب، وكان عدد هام منها في الشمال وأشهرها دار بريشة بضواحي تطوان، وفاق عدد الضحايا من الهلال وحدها عدد المقاومين الذين أعدمهم الاحتلال.
دار بريشة بتطوان كانت أول معتقل سياسي مغربي بعد الاستقلال، حسب وصف الناظور سيتي. وقد وجد حزب الاستقلال نفسه محاطا بأحزاب لا يمكنه تجاوزها، لذلك حاول إدماج بعضها، وعندما فشل قرر مناهضتها ومن أبرزها حزب الشورى والاستقلال.
وكانت المعتقلات الأخرى موزعة: سجن العلو (اغبيلة) بالدار البيضاء، وسجن لعلو بالرباط، ومعتقلات في مكناس والقنيطرة. وكانت تدار بميليشيات “تتصرف في استقلال تام عن الضوابط القانونية، وكان من أعضائها مقاومون من المنظمة السرية أو انتسبوا لها في اللحظات الأخيرة من عمر المقاومة، ومنهم أفراد من ذوي السوابق كونوا صداقات داخل السجن المدني (اغبيلة) مع مقاومين.
الفصل الرابع: أحمد الطويل بالدار البيضاء – الرجل الذي كان يخطف المقاومين في سيارته.
وهنا نصل إلى الشخصية الأكثر غموضا وإثارة للرعب في ذاكرة الدار البيضاء: أحمد الطويل.
لم يكن أحمد الطويل ضابط شرطة عادي، بل كان رئيس الفرقة الخاصة التابعة للأمن الإقليمي بالدار البيضاء، الذي كان يديره إدريس السلاوي، وكلهم من رجال حزب الاستقلال.
حسب شهادات المقاومين الحقيقيين، فإن الطويل كان يملك سيارة سوداء أمريكية من نوع “شيفروليه” يجوب بها أحياء درب السلطان ودرب الكبير والمدينة القديمة، يختطف المقاومين المنتمين للهلال الأسود وجيش التحرير والشوريين، ولا يعودون أبدا.
طريقته كانت: التوقيف بدعوى الاستفسار، ثم وضع الضحية في صندوق السيارة، ونقله إلى معتقل سري بمنطقة عين السبع أو إلى ضيعة خارج الدار البيضاء، حيث يتم القضاء عليهم ودفنهم.
ومن أشهر ضحاياه في تلك الفترة:
– بوشعيب الزيراوي الذي لقي حتفه رمياً بالرصاص في درب البلدية بالدار البيضاء يوم 25 يوليوز 1956
– لحسن الجلاوي وأحمد الشرايبي والمجاطي والمختار كندوز يوم 28 يوليوز 1956
– المقاوم عبد الله الحداوي الذي نصب له كمين في حديقة الحيوانات بعين السبع، حيث تم تجنيد عدد كبير من العاملين بالدائرة السابعة للأمن في درب البلدية بالدار البيضاء وتمت الاستعانة بمختلف أنواع الأسلحة النارية .
وقد كافأت السلطة هؤلاء القتلة بامتيازات كثيرة، رغم تواضع ماضيهم في المقاومة، كما حدث مع محمد الذهبي المعروف بـ “اللاص” الذي أصيب برصاص المقاومين فتمت مكافأته بامتيازات كثيرة بالرغم من تواضع ماضيه في قتل المقاومة.
لماذا يطمس هذا التاريخ؟
اليوم، عندما نسمع عن سنوات الرصاص واعتقالات 1965 و 1981 و 1990، يجب أن نتذكر أن أول رصاصة بعد الاستقلال أطلقت في سوق أربعاء الغرب يوم 23 يناير 1956، وأن أول معتقل سري فتح هو دار بريشة، وأن أول من اختطف المقاومين في سيارته هو أحمد الطويل في الدار البيضاء.
تم طمس هذا التاريخ لأنه يدين من كتبوا التاريخ الرسمي. فحزب الاستقلال الذي قدم نفسه كحزب للوطنية والنضال، كان في نفس الوقت يبني ميليشيات لقتل معارضيه، كما قال علال الفاسي في خطاب طنجة 1956: ليس في المغرب من قوة إلا قوات ثلاث: قوة الاستقلال، وقوة جيش التحرير، وقوة القصر معتبرا أن كل من خارج هذه القوى هو خائن.
إن هيئة الإنصاف والمصالحة توقفت عند سنة 1956 كبداية لولايتها، لكنها لم تدخل بعمق في مجازر 1956-1958. وحان الوقت لفتح أرشيف وزارة الداخلية وإدارة الأمن الوطني عن فترة إدريس المحمدي ومحمد الغزاوي وإدريس السلاوي وأحمد الطويل، ومعرفة أين دفنت جثث المقاومين الذين اختطفوا في سيارة الطويل السوداء.
الذاكرة لا تتجزأ، ومن يريد محاكمة الجلادين الجدد، عليه أولا أن يحاكم الجلادين القدامى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى