محمود عرشان.. من تهمة “الجلاد” إلى ذاكرة العنف المنسي.. من قتل عباس المساعدي ومن ارتكب مجازر الغرب؟
الميزان/ الرباط: مصلح ميلود
عاد اسم محمود عرشان، عميد الشرطة السابق ورئيس المجموعة الدستورية الديمقراطية الاجتماعية بمجلس المستشارين، ليتصدر واجهة الجدل الحقوقي والسياسي في المغرب، بعد اتهامه من طرف خمس جمعيات حقوقية بمحاولة تبييض ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
لكن خلف هذا الجدل الحالي، يختبئ تاريخ آخر، أقدم وأكثر دموية، يحاول البعض طمسه: تاريخ الصراع الدموي بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، ومجازر الغرب، واغتيال القائد التاريخي لجيش التحرير عباس المساعدي. فهل عرشان هو الجلاد الوحيد؟ أم أن أكبر الجلادين هم من حكموا قبله؟
أولا: ما هي التهم الموجهة لمحمود عرشان؟
القصة بدأت يوم 21 أكتوبر الجاري، خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين. محمود عرشان وصف منتقديه بـالطابور الخامس وتحداهم بمناظرة تلفزيونية لتحديد من هو الجلاد.
رد خمس هيئات حقوقية وازنة، هي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، والمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، وجمعية عدالة، ومعهد بروميثيوس، والوسيط من أجل الديمقراطية، جاء قويا. اعتبرت أن تصريحاته استفزاز مرفوض للضحايا وعائلاتهم وإساءة إلى الذاكرة الجماعية.
وتستند هذه الجمعيات في اتهامها إلى شهادات متواترة لضحايا نسبوا إلى محمود عرشان مسؤولية مباشرة عن ممارسات تعذيب وانتهاكات جسيمة خلال ما عرف بسنوات الرصاص . وخصوصا في معتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، حيث كان يشتغل، فضلا عما أورده زميله السابق أحمد البخاري في مذكراته بشأن دوره آنذاك.
عرشان من جانبه رفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، وقال: أنا وطني ولست جلادا، مؤكدا أنه منتخب وليس معينا، وأنه ينتمي إلى جيش التحرير ويحمل ميدالية من مجلس الشيوخ الفرنسي.
ثانيا: التاريخ الذي يحاول البعض نسيانه.. مجازر ما بعد الاستقلال.
هنا بيت القصيد الذي يثيره أنصار عرشان. يقولون: لماذا يحاكم عميد شرطة اشتغل في الثمانينات، وينسى من حكموا البلاد في 1956 وما بعدها وارتكبوا مجازر حقيقية؟
الوثائق التاريخية تثبت أنه بعد استقلال المغرب سنة 1955، دخل حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال في منافسة محمومة، وهو ما أدى إلى بعض الاصطدامات التي كانت أحيانا اصطدامات دموية.
ففي تلك المرحلة، لم تكن قيادة المقاومة موحدة، بل كانت هناك المنظمة السرية واليد السوداء والهلال الأسود. وبعد الاستقلال، حاولت المنظمة السرية توحيد فصائل المقاومة على أساس ارتباطها بحزب الاستقلال، لكن هذه العملية عرفت، مع الأسف، اغتيالات واغتيالات مضادة في صفوف المقاومين.
ووثقت تقارير تاريخية أن شمال المغرب ككل وخاصة في شهري مايو ويونيو 1956 شهد حملة واسعة من الاختطافات والاغتيالات وزج بمناضلين في المعتقل السيئ الذكر دار بريشة والتي أشرفت عليها عصابات حزب الاستقلال.
أما في منطقة الغرب (سوق الأربعاء، سيدي قاسم، القنيطرة)، فقد ارتكبت مجازر موثقة ضد مناضلي حزب الشورى والاستقلال، حيث كانت تصفيات جسدية منظمة بين الحزبين، وهي المجازر التي لا يتحدث عنها التاريخ الرسمي.
ثالثا: اغتيال عباس المساعدي.. أول اغتيال سياسي في المغرب المستقل.
القائد عباس المساعدي، المولود سنة 1925 بتازارين، قائد جيش التحرير المغربي، اغتيل يوم 27 يونيو 1956 بفاس.
والمساعدي لم يقتل على يد الاستعمار، بل بنيران صديقة. وتشير كل المعطيات التاريخية إلى أن اغتياله جاء في سياق الحملة الواسعة للسيطرة على جيش التحرير. .
وتكشف مذكرات وشهادات متطابقة أن المساعدي كان على خلاف حاد مع المهدي بن بركة. ففي رسالة وجهها المساعدي قبل أيام من اغتياله، كتب أن السبب الرئيسي في ظهور الخلاف هو الجولة التبشيرية التي قام بها المهدي بن بركة لمعاقل جيش التحرير.
وتحمل التقارير الدبلوماسية والاستخباراتية الفرنسية المسؤولية للمهدي بن بركة، وتشير إلى أنه لم يكن يسعى إلى قتله، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، بينما تنفي عائلة المساعدي هذه الرواية وتؤكد أن المسمى الغزاوي (مدير الأمن آنذاك هو الذي نفذ الأوامر لتصفية عباس المساعدي).
الحقيقة الثابتة تاريخيا أن اغتيال المساعدي كان من الأسباب التي ساهمت في الإسراع بحل جيش التحرير وإدماجه في الجيش الملكي، وأنه بقي الشرارة التي أوقدت نار الانشقاق السياسي في المغرب.
الخلاصة بالأدلة والبرهان.
1. اتهام محمود عرشان بالتعذيب خلال سنوات الرصاص هو اتهام يستند إلى شهادات ضحايا ومذكرات أحمد البخاري، وهو اتهام لم يبت فيه القضاء، ولم تنصفه هيئة الإنصاف والمصالحة بشكل قطعي، بل ظل في إطار الشهادات.
2. في المقابل، فإن جرائم ما قبل عرشان، أي فترة 1956-1958، هي جرائم موثقة بأسماء وتواريخ وجثث، كاغتيال عباس المساعدي ومجازر الغرب ضد مناضلي الشورى والاستقلال، ارتكبت عندما كان من يتهمون عرشان اليوم هم أنفسهم في مواقع الحكم كوزراء داخلية ومديري أمن.
3. إن منطق العدالة الانتقالية الذي أرساه المغرب عبر هيئة الإنصاف والمصالحة يقول إن مرور السنوات لا يمحو جسامة الانتهاكات. وهذا المنطق يجب أن يطبق على الجميع، على سنوات الرصاص في الثمانينات، وعلى سنوات الدم في الخمسينات.
فلا يمكن أن نحاكم عميد شرطة وننسى من أصدر أوامر الاغتيال السياسي، ومن زج بالمئات في معتقل دار بريشة. التاريخ لا يتجزأ، والحقيقة يجب أن تقال كاملة: أكبر الجلادين ليسوا دائما من كانوا يحملون العصا في أقبية درب مولاي الشريف، بل من كانوا يحملون القرار السياسي في مكاتب الرباط سنة 1956.