مسودة واشنطن تقوي موقف المغرب وتضيق هامش المناورة أمام البوليساريو
الميزان/ الرباط: متابعة
تتواصل مشاورات أعضاء مجلس الأمن الدولي بشأن مشروع القرار الأمريكي الجديد حول الصحراء المغربية، وسط توجه دولي لإعادة صياغة اختصاصات بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، وربط مهمتها بصورة أوضح بالمسار السياسي الذي يقوده الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، مع جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات المقبلة.
وتقترح المسودة إنهاء ولاية المينورسو بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، مع تغيير تسميتها إلى “بعثة الأمم المتحدة للصحراء”. كما تتضمن تقليص المكون النظامي للبعثة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، إلى جانب إعادة تنظيم عدد من مواقع انتشارها، بهدف تقليص الحضور العسكري للمهمة الأممية وإعطاء المسار السياسي مساحة أكبر في المرحلة المقبلة.
وتنص على أن مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن تحت السيادة المغربية يشكل الأساس الوحيد للمفاوضات، وتؤكد أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن للنزاع. كما تدعو الأطراف المعنية إلى الانخراط بصورة نشطة وبنّاءة في العملية السياسية، مع دعم جهود غوتيريش ودي ميستورا والولايات المتحدة، وتقترح توسيع دائرة المشاورات لتشمل مكونات صحراوية وجهات معنية داخل الإقليم ومخيمات اللاجئين وفي المهجر.
وفي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، رفضت جبهة البوليساريو الصيغة المقترحة، مشددة على أن اعتماد الحكم الذاتي المغربي مرجعية وحيدة للمفاوضات يحدد مسبقا إطار العملية السياسية، كما اعترضت على تحويل المينورسو من بعثة لحفظ السلام إلى بعثة سياسية خاصة. وذهبت الجبهة إلى التهديد بالانسحاب من العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة في حال اعتماد مشروع القرار بصيغته الحالية، مطالبة بالإبقاء على الولاية الحالية للبعثة وبهيكلها القائم.
وتزامن التصعيد مع ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الأخير بشأن المسار السياسي، ولا سيما ما يتعلق بمقترح اتفاق إطاري منقح أعده دي ميستورا على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فضلا عن استمرار الاتصالات والمشاورات التي تقودها الأمم المتحدة بدعم من الولايات المتحدة. وتأتي هذه التطورات بعد استئناف جولات المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية، في مسعى أمريكي وأممي لإخراج الملف من حالة الجمود التي طبعته لسنوات.
قال إبراهيم بلالي اسويح، محلل سياسي وعضو بالمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إن مسودة القرار الجديد حول الصحراء، والتي تعمد فيها الوفد الأمريكي مرة أخرى تبني مقاربة أكثر تقدما من خلال تعميم هذه الصيغة على أعضاء مجلس الأمن في مرحلة أولية، وصفت المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها الإطار الشرعي الوحيد للتفاوض، مما يعزز حصرية الحل السياسي ويستبعد بشكل لا رجعة فيه الانفتاح على أي مبادرات أو حلول أخرى، وهو في الواقع توجه ينسجم فيه راعيا المفاوضات، الأمم المتحدة من خلال إحاطة دي ميستورا الأخيرة أمام أعضاء مجلس الأمن، والولايات المتحدة الأمريكية، حين أشار السفير مايك والتز إلى أن الحل موجود على الطاولة، بما يفسر الوثائق التي تم إعدادها بناء على النظام الأساسي المحين والمنفتح الذي قدمه المغرب خلال جولات التفاوض المباشرة الأخيرة.
وأضاف اسويح، في تصريح لجريدة إلكترونية، أن قراءة معمقة لهذه المسودة تستشف منها سعي الولايات المتحدة كذلك للاحتفاظ بأكبر قدر من هامش المناورة خلال المفاوضات مع الأطراف الأخرى داخل المجلس، التي، في اعتقاده، ومن خلال تركيبتها الحالية والتي تترأسها دوريا اليونان، تؤيد المبادرة المغربية والحل السياسي على أساس الحكم الذاتي، باستثناء الطرف الروسي، الذي قد أخذ بعين الاعتبار عند صياغة مضمون هذه المسودة للوصول إلى توافق، من خلاله قد يتم استيعاب بعض الطلبات المتعلقة بإدخال تعديلات لا تؤثر في نهاية المطاف على الهدف الجوهري والمتمثل في حصرية الحل في مبادرة الحكم الذاتي.
وأردف المتحدث أن هذا الأمر له ارتباط وتأثير مباشر على تحديد طبيعة المهام ذات الأولوية بالنسبة للبعثة الأممية التي جاءت في مسودة مشروع القرار الجديد، موضحا أنه، كما هو معلوم، تواصل الولايات المتحدة الأمريكية الاضطلاع بدور أساسي على مستوى تمويل البعثة، كما أنها خلال هذه السنة بعثت بخبرائها، في إشارة إلى أن اهتمام الإدارة الأمريكية منصب على تحديد طبيعة المهام ذات الأولوية، سواء تعلق الأمر بمراقبة وقف إطلاق النار أو بالجوانب الإنسانية، ودورها المحتمل، خصوصا في تنزيل نظام الحكم الذاتي في حال تم التوافق بشأنه.
وأبرز المحلل السياسي أن هذه المعطيات تدخل في سياق البعد الاستراتيجي والاستشرافي الذي يحكم مقاربة الإدارة الأمريكية للملف، على ضوء التحولات المتسارعة التي يشهدها مساره الأممي، خصوصا بعد صدور قرار مجلس الأمن التاريخي 2797 في أكتوبر من السنة الماضية، والذي كان مفصليا من حيث موقف مجلس الأمن من السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية للمملكة، خصوصا في إشارته الواضحة إلى ذلك في ديباجته.
وبخصوص احتجاج جبهة البوليساريو على مشروع القرار الأمريكي بدعوى أنه نقل الموقف الوطني لواشنطن إلى الإطار الأممي، أورد المتحدث ذاته أن هذا الموقف يتجاهل التمييز بين الجهة التي تتولى صياغة مشروع القرار، كعرف مألوف بين مجموعة أصدقاء الصحراء، والجهة المخولة بمناقشته وبالتالي اعتماده.
وقال إن الولايات المتحدة، هنا، بصفتها صاحبة القلم في هذا الملف، تمارس دورا دبلوماسيا معروفا داخل مجلس الأمن من خلال إعداد مشاريع القرارات واقتراح الصياغات التي تراها مناسبة، علما، مع ذلك، بأنه ليس تلقائيا موقفا جماعيا للمجلس في هذه الآونة، قبل صدور القرار النهائي بعد أن يخضع، كما هو معلوم، للمشاورات والتعديلات والتصويت وفق الإجراءات المعتمدة في هذا الشأن.
وأكد الخبير السياسي، في هذا السياق، أن الإشكال، بعد بيان جبهة البوليساريو الاستنكاري، ليس في كون واشنطن قد عبرت عن موقفها المعلن آنفا من هذا النزاع المفتعل، وإنما في مضمون هذا التوجه وما تقترحه المسودة بشأن مستقبل التسوية، مبرزا أن المشروع، مرة ثانية، يرسخ اعتماد الحكم الذاتي المغربي كخيار وأساس للحل المتفاوض بشأنه، بالتوازي مع اعتماد النظر في ولاية المينورسو لكي تلاءم خطوات الحل المرتقب. وشدد على أن هذه مضامين سياسية ينبغي مناقشتها على أساس ما تتضمنه فعليا، لا الاكتفاء بوصفها انحيازا أمريكيا.
وشدد الخبير الصحراوي على أنه بقي، في تقديره، أن يشير إلى أن التلويح بالانسحاب من العملية السياسية، في حالة لم يتم تعديل جوهري بالمسودة، قد يفهم منه في السياق الحالي مناورة، لأن ذلك يصعب من وضعها السياسي المتأزم بسبب ضيق هامش المناورة منذ صدور قرار مجلس الأمن الأخير حول الصحراء المغربية، وقد يفسح المجال لطرح سؤال أصبح مشروعا حول مدى استعداد الجبهة الانفصالية للانخراط في مفاوضات تقوم على مرجعية محددة، بدلا من رفض مشروع قرار قبل استكمال المشاورات بشأنه.
وزاد: إن دعوة مجلس الأمن الأطراف إلى التحلي بالجدية والشجاعة السياسية في إطار حل توافقي، لا غالب ولا مغلوب، تقتضي مناقشة المقترحات وتقديم البدائل، لا الاكتفاء بالاعتراض على الجهة التي كانت وراء صياغتها.
واسترسل عضو الكوركاس في القول إن الرسالة الأساسية في هذا التجاذب هي أن شرعية أي قرار للأمم المتحدة، وهي الجهة المخولة حصريا في تدبير هذا النزاع بين الأطراف، لا تستمد من جنسية الدولة التي تقوم بصياغته أو تقترحه، ولا من اعتراض أحد الأطراف عليه، وإنما من المسار المؤسسي الذي يعتمد من خلاله.
وأنهى إبراهيم بلالي اسويح حديثه بأن الحكم على المسودة لا يجب أن يتجاوز مضمونها ومآلاتها، في انتظار ما سيتبناه قرار مجلس الأمن الأسبوع المقبل، وإن كان، في اعتقاده، لن يخرج عن جوهر قراره السابق 2797، وهو ما أظهرته مؤشرات تقرير غوتيريش أو إحاطة دي ميستورا الأخيرة أو المسودة الحالية للقرار القادم، مع تشديد الضغط السياسي والدبلوماسي على الأطراف في إطار إحراز تقدم في المفاوضات، وتجاوز الغموض في بعض فقرات القرار السابق، مع تبني لغة أكثر حزما من حيث خرق وقف إطلاق النار ووضع تصور واقعي لدور المينورسو المحتمل.