الفقه والشريعةقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

حضور وازن للسنغال في مؤتمر الصحراء

الميزان/ الرباط: متابعة

almizan.ma

حضور وازن للسنغال في مؤتمر الصحراء
الميزان/ الرباط: متابعة
الشيخ مود بدر جوب
مشارك متحدّث في المؤتمر الدولي: “ثقافة الصحراء: جمالية وعمق إنساني”.
كانت مشاركتكم بالمؤتمر الدوليّ العلمي حول ثقافة الصحراء الذي نظمته المنظمة يوم 6 يوليوز 2023 بشراكة مع كلية الآداب بجامعة محمد الخامس مشاركة وازنة، وكانت محاضركم ذات أهمية كبيرة في الجلسة الافتتاحية، هل يمكن أن تحدثنا عن هذه المشاركة؟
تميز المؤتمر الدولي الذي نظمته المنظمة الدولية لحماية التراث يوم 6 يوليوز 2023 بمشاركات متنوعة مثلت مختلف المجالات والأجناس والبلدان، وبصفتي سنغاليا باحثا في الشؤون المشتركة بين السنغال والمغرب، وطالبا باحثا درس في المغرب، شاركت بمداخلة بعنوان: “اللّغة جِسرًا نحوَ التفاعل الثقافيّ بين السنغال والمغرب: قراءةٌ في الاقتراض والتفاعل اللّسانيّ”.
تحدثت في هذه الورقة عن دور اللّغة الثقافي بصفتها مَعبرا من المعابر الثقافيّة إلى اكتشاف باقي الثقافات؛ لأنّ اللّغة ليست فقط مقصورة في أداة التواصل، وإنما هي عامل مهم في نقل الثقافة. وقد أثبتت الدراسات اللّسانيّة الاجتماعيّة الحديثة استحالة فهم لغة بمعزل عن ثقافتها، وذلك لأن التعابير والجمل اللّغويّة تابعة نسقَ الثقافة التي أنتجتها، ومن ثم، فهي حامل الثقافات، وبها تُنقل إلى الآخرين.
وتلك اللّغة كانت متمثّلة في اللّغة العربيّة والأمازيغيّة الصنهاجيّة والحسانيّة، التي تعدّ من المشتركات الدينيّة والاجتماعية والثقافية بين السنغال والمغرب. فاللّغة العربيّة في حدّ ذاتها مشترك دينيّ-ثقافيّ، وأما باقي اللّغات فهي من المشتركات الاقتصاديّة والثقافيّة، إذا نظرنا إليها من زاوية التاريخ والتجارة التي كان بين البلدين قبل الإسلام وبعده.
جاءت الدراسة بهذا المستوى لتخرج من المنهج النمطيّ المتعارف عليه عند بعض الباحثين في البلدين؛ حيث كانوا يُركّزون فقط على المقترضات اللّغويّة -على سبيل المثال- بين اللّغات الوطنيّة السنغاليّة وبين العربيّة، دون أن ترتقي إلى أبعاد ثقافيّة من خلال النظر إلى تلك الظاهرة اللّغويّة من عدّة اعتبارات؛ بصفتها عاملَ تماسك وانسجام بين الثقافات، إضافة إلى النظر إليها وفق أسس اقتصاديّة واجتماعيّة بين البلدين.
وقد توخّينا في المقاربة توضيح ما يأتي:
1. التذكير بالعلاقات التاريخيّة والثقافيّة الدينيّة، التي تربط بين السنغال والمغرب قبل أن تكون ثمّة دولة حديثة اليوم.
2. تصحيح بعض المغالطات والأحكام المسبّقة في عقول بعض مواطني المغرب والسنغال، مع الإشارة إلى وجود سوابق تاريخيّة تُجمِع البلدين في الوحدة وفي الثقافة. وللمزيد من تلك القيم المشتركة فالمرجو العودة إلى نصّ خطاب الملك محمد السادس الذي ألقاه في عاصمة السنغال- دكار بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين للمسيرة الخضراء (لأول مرة يخطب ملك المغرب في بلد آخر من خارج حدودها الجغرافية).
3. بيان كيف أن الثقافتين: السنغالية والمغربية، وصلتَا، ليست فقط إلى مستوى التفاعل، بل إلى درجة الاتفاق في كثير من الظواهر. وبيان كيف يمكن الاستفادة من ذلك لتحقيق مزيد من الانسجام والتعاون في المستقبل.
ثم إننا استهدفنا في المشاركة العلمية كشف الأدوار التي أدّتها الصحراء في تقوية وربط الثقافات بين الشعبين، إلى جانب بيان الدور الذي قامت به اللّغة في ذلك من خلال الجانبين اللّسانيّ واللّغويّ بين البلدين منذ فجر التاريخ إلى وصول الدين الإسلاميّ مع التُّجار الصناهجة في حوض نهر السنغال موطن نشأة حركة المرابطين مع عبد الله ابن ياسين، ثم أشرنا إلى تلك الأمور بكونها من المشتركات الإنسانيّة والدينيّة بين الثقافتين.
وقد عرضنا في التقديم ولأوّل مرّة صورةً تذكاريّة للملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله؛ حيث كان ضيفا لجامعة دكار ليتسلّم شهادة الدكتوراه الفخرية سنة 1964؛ مع العلم أن دولة السنغال هي أول دولة تمنح لملك من ملوك المغرب شهادة بهذا الحجم المعرفيّ، إضافة إلى أننا عرضنا وناقشنا خطابَ الملك محمد الثاني حفظه الله الذي ألقاه هو أيضا من عاصمة السنغال بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، حيث حدّد فيه مجموعة من المشتركات التي تجمع الدولتين منذ القدم إلى اليوم.
والأجمل في الندوة بالنسبة لي، كانت تلك المناقشات الغنية في قاعة محمد الجابريّ، حيث ناقشنا بشكل ودّي عن تلك المشتركات، ثم تلقيتُ هدية كانت بمثابة “سُبحة” من أحد الدكاترة. والسبحةُ هي أيضا من المشتركات الدينيّة بين الشعبين، التي ترمز إلى التصوف المشترك في غرب إفريقيا، وكان للمغرب في صحرائه فضل في إيصال هذه الفكرة من المشرق الإسلاميّ إلى غرب إفريقيا.
كيف كان انطباعكم على الشارع المغربيّ وأنت باحث وأكاديميّ ومحبّ للمغرب كما علمنا؟
هناك عنصران مهمّان في السؤال، وهما: الباحث الأكاديميّ، وشخص محبّ للمغرب. فانطباعاتي على المغرب بصفتي شخصا ودارسًا في المغرب بعد حصول منحة من دولتي السنغال بموجب الاتفاق والتعاون الدولي بين السنغال والمغرب، هي إيجابيّة ومحترمة. فالمغرب هي الدولة الثانيّة التي زرتُها قبل دولة موريتانيا، لكن المغرب هي الدولة الثانية الأعزّ في قلبي بعد السنغال، وهي الدولة التي أفضّلها، هي وقطر، عندي على سائر البلدان في العالم؛ والسبب في ذلك هو أنني تلقّيتُ دراساتي الجامعية في المغرب وقطر. ولكن المغرب له مكانة عالية بحكم تلك الأمور التي ذكرتها في الأعلى وخاصة تلك العلاقات الاجتماعيّة مع أصدقائي، إلى جانب طيبوبة أساتذتي الكرام، الذين أحترمهم جميعا بدون استثناء، وأعتز بهم حقيقة.
ماهي مشاريع البحث التي تقترحونها والآفاق العلمية مع المنظمة الدولية لحماية التراث راعية المؤتمر؟
بعد الندوة مباشرة فكّرتُ في إنشاء “جمعية صداقة بين السنغال والمغرب”، بحيث تضمّ معظم الشخصيات من البلدين لتبادل الزيارات العلمية والثقافية بشكل ودي مع أنشطة موازية، يتعرّفون من خلالها على الروابط التي جَمعت بين البلدين قديما وحديثا. وأقترح أن يكون عملُ المنظمة خارجيّا أيضا، كتنظيم بعض الندوات والمؤتمرات خارج المغرب في السنغال على سبيل المثال. هذا بالإضافة إلى دعوة المتخصصين من الباحثين إلى إلقاء محاضرات في المقرّرات التي تتحدث عن التاريخ السنغاليّ المغربيّ.
من خلال هذه الأنشطة العلميّة يمكن للباحثين الإجابة عن بعض أسئلة الطلبة حديثي الفهم بالنسبة لتاريخ البلدين، دون أن يكون ثمة تلفيق أو توجيه غير مستقيم. فهذا كمقترح لأن المغرب حاليا يعيد إحياء تلك الأواصر التاريخيّة قديما قبل قيام الدولة الحديثة، فمن الأهمّيّة عدم تقديم قصص أو أحداث غير واقعية عن تلك المناطق.
كما أقترح أن تقوم المنظمة بتنظيم كونغرس دوليّ بين السنغال والمغرب يُقام في عاصمة السنغال- دكار في السنة المقبلة لإحياء تلك العلاقات التاريخيّة، ونحن مستعدون للمساعدة في إقامته بالتنسيق مع الجهات المعنيّة في السنغال.
وأقترح قبول مشاركات علمية للباحثين من غرب إفريقيا كالسنغال من أجل مساهمة معرفيّة في الجامعات المغربيّة على مستوى الدراسات التي تخصّ غرب إفريقيا، مع ترقية “مركز دراسات إفريقية-عرفان” ليصبح تخصّصا في الجامعات.
وأقترح أيضا أن تكون للمنظمة مكاتب ممثّلة في السنغال لتسهيل الشراكة والانفتاح بين البلدين: السنغال والمغرب، ومن أجل السهر على الحفاظ على المشتركات الإنسانيّة والتاريخيّة والدينيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى