السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

حذف آلية الإيداع من مشروع قانون العدول يخرق مبدأ الاطمئنان

الميزان/ الرباط: حسن الهيثمي

almizan.ma

حذف آلية الإيداع من مشروع قانون العدول يخرق مبدأ الاطمئنان
الميزان/ الرباط: حسن الهيثمي*
يعد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول محطة تشريعية مهمة في مسار تحديث مهنة التوثيق العدلي، بعد مرور أزيد من عقدين على العمل بالقانون الحالي رقم 16.03 المنظم لخطة العدالة. غير أن مسار إعداد هذا المشروع أفرز إشكالية دستورية تتعلق بحذف آلية الإيداع، التي كانت واردة في الصيغة الأولى للمشروع الذي اطلع عليه الرأي العام سنة 2023، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انسجام هذا الاختيار التشريعي مع مبدأ الاطمئنان كمعيار جوهري كرّسه القضاء الدستوري المغربي.
ترسيخ مبدأ الاطمئنان معيارا جوهريا..
رسخ القضاء الدستوري المغربي مبدأ الاطمئنان باعتباره معيارا جوهريا لتقييم سلامة الإجراءات القانونية، خصوصًا في المنازعات الانتخابية. فقد اعتبر المجلس الدستوري، في قراره رقم 353/99 الصادر بتاريخ 24 نونبر 1999، أن حرمان بعض الناخبين من التصويت قبل الوقت القانوني « يبعث على عدم الاطمئنان على سلامة وصدق الاقتراع ».
كما أكد القرار رقم 905/12 الصادر في نونبر 2012 أن وجود تماثل خطي في وثائق المترشحين يثير الشكوك حول حرية اختيار الناخبين، في حين ذهب القرار رقم 215/23 م الصادر في 28 مارس 2023 إلى أن مجرد الشك المؤسس على وقائع ثابتة يكفي للاعتراف بعدم الاطمئنان، حمايةً لحرية وصدق العملية الانتخابية.
شمول مبدأ الاطمئنان المجال التعاقدي
إذا كان مبدأ الاطمئنان قد نشأ وتطور في سياق حماية العملية الانتخابية، فإن منطقه القانوني يسمح بامتداده إلى مجالات أخرى، من بينها المعاملات التعاقدية، باعتبارها أيضا تعبيرا عن إرادة حرة تستوجب الحماية.
فالعملية التعاقدية، شأنها شأن العملية الانتخابية، تقوم على أطراف متعددة، ويتطلب نجاحها توافر ضمانات كفيلة ببث الثقة في سلامة الإجراءات المتعلقة بها.
ويضطلع العدول في هذا المضمار، بدور محوري لا يقتصر على تحرير العقود، بل يمتد إلى إسداء النصح وضمان توازن الإرادات، وهو دور لا يُمْكن الاضطلاع به بفعالية في غياب آلية الإيداع.
الإيداع وتحقيق الأمن التعاقدي
تشكل آلية إيداع الأموال وسيلة مهمة لضمان سلامة المعاملات التعاقدية، لما توفره من حماية لحقوق المتعاقدين، خصوصًا في عقود البيع، حيث يساهم إيداع الثمن لدى جهة رسمية كصندوق الإيداع والتدبير في تحقيق التوازن بين التزامات البائع والمشتري، وضبط انتقال الملكية في إطار قانوني آمن.
إن حذف هذه الآلية من مشروع قانون العدول لا يؤدي فقط إلى إضعاف الضمانات الممنوحة للمتعاقدين، بل يخل كذلك بمبدأ الأمن التعاقدي، ويؤثر سلبًا على الثقة المفترضة في التوثيق العدلي، خاصة في ظل استمرار تحميل العدول مسؤوليات واسعة دون تمكينهم من الوسائل القانونية الكفيلة بممارستها على الوجه الأمثل.
حذف آلية الإيداع ضد الدستور
إن إصرار السلطة الحكومية المكلفة بالعدل على حذف آلية الإيداع، رغم ما تمثله من ضمانة أساسية للمتعاقدين، يُعد إخلالًا بمبدأ الاطمئنان، بما يفتح الباب أمام الدفع بعدم دستورية مقتضيات مشروع القانون بعد إحالته على المحكمة الدستورية.
يخلق حرمان العدول من آلية الإيداع وضعية عدم توازن بين التوثيق العدلي والتوثيق العصري، ويدفع المتعاقدين إلى العزوف عن الأول لفائدة الثاني، بما يفرغ مهنة العدول من أحد عناصر جاذبيتها القانونية والوظيفية، ويقوض مبدأ المساواة أمام القانون.
لا يقتصر حذف آلية الإيداع من مشروع قانون العدول على كونه مجرد اختيار تشريعي تقني، بل يثير إشكالًا دستوريًا حقيقيًا يتعلق باحترام مبدأ الاطمئنان، كما استقر عليه الاجتهاد الدستوري المغربي. ومن ثم، فإن إعادة إدراج هذه الآلية تظل ضرورة قانونية ودستورية، ليس فقط لحماية حقوق المُتعاقدين، بل أيضًا لضمان انسجام مشروع القانون مع المبادئ الدستورية الجوهرية.
*عدل باستئنافية الرباط وباحث في القانون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى