السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

حين تذكر سبتة في حضرة جلالة الملك، فأعلم أن التاريخ يبعث رسائله بهدوء

الميزان/ أكادير: الدكتور الحسين بكار السباعي

almizan.ma

حين تذكر سبتة في حضرة جلالة الملك، فأعلم أن التاريخ يبعث رسائله بهدوء
الميزان/ أكادير: الدكتور الحسين بكار السباعي*
إن إستحضار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لسبتة وعلمائها، بين يدي جلالة الملك محمد السادس بصفته أمير المؤمنين، خلال إحياء ليلة المولد النبوي الشريف، لا يبدو إختيار إعتباطي، فالمناسة شرط و للمقام سياقه الخاص وأن الأمر أبعد من مجرد إشارة عابرة.ففي حضرة الملك الكلمات محسوبة والإشارات لها رسائلها والبرقية لمن يفهمها.
سبتة التي ترتبط تاريخيا بنشأة الإحتفال المنظم بالمولد النبوي في بلادالمغرب، حيث نستحضر التاريخ حين دعا العالم السبتي أبو العباس العزفي إلى إحيائها، ثم تولى ابنه أبو القاسم العزفي تنظيم الإحتفال بهذه الليلة المباركة سنة 648هـ، قبل أن ينتشر في باقي البلاد والربوع . وهذه الصلة موثقة في منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية⁠، التي سبق أن خصصت مادة علمية لجمع وتوثيق جهود علماء سبتة في خدمة المذهب المالكي.
غير أن استعادة هذا التاريخ في مقام ملكي رسمي جعل من الليلة المباركة و إلى جانب معناها وبعدها الديني تحمل دلالة رمزية وسيادية واضحة، فسبتة التي لم تقدم بإعتبارها مجرد مجال جغرافي، أستحضرت بوصفها مركز ديني وثقافي وعلمي أصيل من مراكز الحضارة المغربية، أسهم علماؤه في تشكيل التدين السني المالكي المعتدل وصناعة تقليد روحي ما يزال المغرب يحتفي به تحت إمارة المؤمنين. وبذلك تنتقل الرسالة من لغة الحدود الراهنة إلى لغة أعمق هي لغة الذاكرة والإستمرارية الحضارية. فالاحتلال وكما هو معلوم يستطيع أن يفرض إدارة واقعية على المكان، لكنه لا يستطيع أن يمحو نسبه التاريخي أو يفصل علماءه وتراثه عن المجال المغربي.
كما أن صدور الإشارة عن وزير الأوقاف وليس عن مسؤول دبلوماسي، يمنحها قوة ناعمة ومحسوبة، فهي لا تمثل إعلان عن مبادرة سياسية أو تغيير فوري في التدبير الرسمي لملف الثغرين والجز الجعفرية المحتلة، ولا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل من ناحية القانون الدولي، لكنها تؤكد أن سبتة حاضرة داخل الوعي المؤسساتي المغربي وأن المطالبة بها لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل تستند بشكل قوي إلى التاريخ الديني والعلمي والثقافي للمملكة الشريفة. أما وقوع الحديث عنها و في حضرة جلالة الملك، حيث تُنتقى الكلمات بعناية محمد السادس نصره الله وأيده، فيرفع منسوب الدلالة ويجعل الإشارة أقرب إلى تثبيت هادئ للحق التاريخي منها إلى مجرد إستطراد علمي.
ختاما، أن البرقية واضحة و موجهة في إتجاهين، إلى الداخل للتذكير بأن سبتة جزء من الذاكرة الوطنية الحية وليست قضية منسية، وإلى الخارج وخاصة الجارة الإسبانية بأن هدوء الخطاب المغربي لا يعني سقوط الحق أو تقادم الذاكرة. إنها دبلوماسية التاريخ والرمز، التي لا تعكس التصعيد السياسي، لكنها لا تتنازل عن السيادة، لتستحضر سبتة بعلمائها حتى تقول إن المدينة وإن بقيت خارج الإدارة المغربية فهي لم تخرج يوما من تاريخ المغرب ووجدانه الحضاري.
* د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى