جماعة الهراويين/ الفوضى المنظمة وتبديد المال العام والغدر الضريبي
الميزان/ الدار البيضاء: المصطفى قصاب
كيف لجماعة ترابية تبعد 10 دقائق فقط عن مسجد الحسن الثاني وعن القطب المالي للدار البيضاء، ويسكنها أكثر من 80 ألف نسمة، أن تسير بعقلية دوار منسي في جبال الأطلس؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه كل من زار جماعة الهراويين، التابعة لعمالة مديونة، والتي تحولت في السنوات الأخيرة من جماعة قروية فلاحية إلى مغارة علي بابا للفوضى والبناء العشوائي والفساد، وسط صمت غير مفهوم للسلطات.
جماعة الهراويين، رغم أنها جغرافيا في البيضاء، لكن عقليا لا تزال تسير بعقلية العون العرضي والسمسار والمكالمة الهاتفية، كما وصفها نواب الرئيس أنفسهم في رسالة رسمية.
1. الفوضى العمرانية: مغارة علي بابا
إذا دخلت الهراويين اليوم، ستنسى أنك في الدار البيضاء. سترى:
– مستودعات وهنكارات حديدية عملاقة مبنية في أراض فلاحية، دون رخص، بعضها بني ليلا وبعضها في وضح النهار.
– معامل سرية للبلاستيك والنجارة والميكانيك، تشتغل بدون رخص اقتصادية، وتستنزف الكهرباء من الشبكة العمومية عبر شواهد إدارية مشبوهة للربط بالكهرباء عالي التوتر.
– بنايات عشوائية من 3 و4 طوابق تطل على بعضها، بدون تصميم وبدون احترام للوكالة الحضرية.
وحسب مصدر ، فإن هذا ليس وليد اليوم، بل هو حصيلة مسار طويل منذ التسعينيات، عندما كانت السلطات المحلية والمجالس المتعاقبة تمارس سياسة غض الطرف. وكل مجلس يأتي، يترك الفوضى تكبر، حتى أصبحت اليوم المخالفة هي القاعدة والقانون هو الاستثناء.
السؤال: أين الباشا؟ أين القائد؟ أين عامل مديونة؟
2. فضيحة البنزين والهواتف والسيارات: المال العام يوزع بالمكالمات
قبل 10 أشهر، انفجرت فضيحة مدوية هزت الجماعة:
أولا: ميزانية البنزين الخيالية: جماعة تملك 30 سيارة وشاحنة فقط، تستهلك ما بين 250 و 300 مليون سنتيم سنويا من البنزين والغازوال. أي بمعدل مليون سنتيم لكل سيارة في الشهر! أرقام تقفز فوق المنطق.
وكشفت أشرطة فيديو تداولها مستشارون، أن سيارات خاصة لأشخاص لا علاقة لهم بالجماعة، كانت تتزود بالبنزين من محطة الجماعة بعد مكالمة واحدة مع الرئيس.
ثانيا: صفقة الهواتف الفاخرة: 20 مليون سنتيم لشراء هواتف ذكية فاخرة من نوع آيفون وسامسونغ، دون معرفة من استفاد منها، ولا محضر تسليم، ولا معايير توزيع. الرئيس رفض الإجابة.
ثالثا: سيارة المصلحة تتحول إلى كوتشي مستشار جماعي معروف بلقب “ع.إ” حول سيارة مصلحة مخصصة لموظف إلى سيارته الخاصة، يتبختر بها في المقاهي والأسواق ليل نهار، رغم أنه ليس نائبا للرئيس ولا يملك أي تفويض.
هذا هو التدبير بعقلية متخلفة: الجماعة ليست مؤسسة، بل ضيعة خاصة.
3. فضيحة الغدر الضريبي” تفويت 3 ملايير على خزينة الجماعة
وهذه هي الفضيحة الأكبر التي جلبت مفتشية وزارة الداخلية إلى الهراويين.
في نونبر 2025، وجه 7 مستشارين من الأغلبية والمعارضة شكاية رسمية إلى وزير الداخلية، عنوانها شكاية الغدر الضريبي.
التهمة: رئيس الجماعة الحالي إدريس صديق وقع وثيقة رسمية تعفي شركة عقارية كبرى هي إقامات دار السعادة من أداء الضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية.
الشركة استعملت تلك الوثيقة أمام المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، وربحت القضية. ففي 30 شتنبر 2025، قضت المحكمة بإلغاء كل الرسوم الضريبية المفروضة على الشركة لسنوات 2018 و 2019 و 2020 و 2022 و 2023، وحددت الرسم في مبلغ هزيل 72 مليون سنتيم فقط لكل سنة.
المستشارون يقولون إن هذا الحكم حرم الجماعة من أكثر من 3 ملايير سنتيم كانت كفيلة ببناء مدارس ومستوصفات وتبليط كل شوارع الهراويين.
المثير أن الجماعة، عندما توصلت بدعوى الشركة، لم تدافع عن نفسها أمام المحكمة ولم تقدم أي دفوع قانونية، مما اعتبره المشتكو .تقاعسا دفاعيا متعمدا”.
وقد استند المشتكون في شكايتهم إلى الفصل 244 من القانون الجنائي الذي يجرم منح إعفاءات ضريبية بدون سند قانوني، وطالبوا بإيفاد لجنة افتحاص.
وفعلا، حلت لجنة مركزية من المفتشية العامة لوزارة الداخلية في الأسابيع الماضية بمقر الجماعة، وفحصت لوائح الإعفاءات الضريبية (حيث وجدت 177 هكتارا معفاة بدون قانون)، ولوائح الرخص التجارية، ولوائح العمال العرضيين الذين يوظفون بالزبونية (موالون ومقربون لا يقومون بأي عمل).
4. خدمات منهارة.. كأننا لسنا في البيضاء
الساكنة لا يهمها صراع الرئيس مع نوابه. ما يهمها هو الواقع اليومي المر:
– النظافة: أكوام الأزبال في كل حي، الحاويات لا تفرغ، الروائح الكريهة، الحشرات، رغم أن صفقة النظافة تكلف الملايير.
– الإنارة: نصف أحياء الهراويين الشمالية والجنوبية بدون إنارة عمومية. الشوارع مظلمة بالليل، والنساء تخاف الخروج.
– النقل: لا يوجد خط حافلات يربط الهراويين بتيط مليل رغم أن المسافة 4 كيلومترات فقط. السكان يستعملون الخطافة والدواب.
– الماء: أحياء كاملة لا تزال تشرب من مياه الآبار، بدون ربط فردي بالماء الصالح للشرب.
– الكلاب الضالة والدواب: جحافل من الكلاب والبغال والحمير تجوب الشوارع، كأننا في قرية وليس في عاصمة اقتصادية.
حتى نواب الرئيس أنفسهم احتجوا. ففي أبريل 2026، كتب 5 نواب للرئيس رسالة استقالة من تفويضاتهم، وقالوا بالحرف: لا كلمة تعلو في الهراويين على كلمة الأعوان العرضيين والسماسرة، ودورنا كنواب لا محل له من الإعراب.
بل إن الرئيس، حسب شكاية رسمية بتاريخ 7 أبريل 2026، أوقف تعويضات نوابه منذ 6 أشهر انتقاما منهم لأنهم انتقدوا تسييره، في خرق واضح للمادة 52 من القانون التنظيمي 113.14.
الهراويين تستغيث
الهراويين اليوم هي جماعة بعقلين:
– جغرافيا: هي في قلب الدار البيضاء، بجانب أكبر منطقة لوجستية في المغرب، وأراضيها تساوي الملايير.
– عقليا: تسير بعقلية الدوار، بالمحسوبية والزبونية والمكالمة الهاتفية وإعفاء المنعشين العقاريين الكبار وإغراق الأحياء بالأزبال.
المطلوب اليوم ليس تغيير رئيس برئيس آخر، كما حدث 5 مرات في 10 سنوات. المطلوب هو ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل تقرير مفتشية الداخلية، وإحالة ملف الغدر الضريبي على القضاء، وحل معضلة البناء العشوائي بقرار سياسي شجاع من والي الدار البيضاء.
أما إذا بقي الحال كما هو عليه، فإن الهراويين ستبقى وصمة عار على جبين الدار البيضاء، مدينة التناقضات: برج الدار البيضاء فاينانس سيتي من جهة، ومغارة علي بابا الهراويين من جهة أخرى.