الاقتصاديةالسياسيةالقانــونقضايا المجتمعمنوعات

“لاسامير” بين الواقع والحقيقة المغيبة

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

“لاسامير” بين الواقع والحقيقة المغيبة
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
في المحمدية، على بعد 25 كيلومترا من الدار البيضاء، تقف مصفاة عملاقة، صامتة، صدئة، كأنها مدينة أشباح. إنها شركة “لاسامير”، أكبر مصفاة نفط في المغرب، وإحدى أكبر المصافي في إفريقيا، التي كانت تشغل 5000 عامل، وتكرر 10 ملايين طن من النفط سنويا، وتوفر 60% من حاجيات المغرب من المحروقات.
منذ 2015، توقفت “لاسامير” عن الاشتغال، ودخلت مسطرة التصفية القضائية، وتراكمت عليها ديون بـ 45 مليار درهم. ومنذ ذلك اليوم، والمغاربة يطالبون بإحيائها، من النقابات، والأحزاب، والبرلمانيين، والاقتصاديين، والمواطنين البسطاء.
فلماذا لا تشتغل “لاسامير” رغم أن المغرب يحتاجها؟ من له المصلحة في أن تبقى مغلقة؟ ولماذا ارتفعت أسعار المحروقات منذ إغلاقها؟ وهل إحياء “لاسامير” سيخفض ثمن البنزين والغازوال؟
هذا البحث المعمق، الذي اعتمد على وثائق رسمية، وشهادات عمال، وخبراء طاقة، يكشف لأول مرة خيوط قضية “لاسامير”، ومن المستفيد من موتها، ومن المتضرر من إغلاقها.
المحور الأول: ما هي “لاسامير”؟ ولماذا كانت مهمة للمغرب؟
تأسست “لاسامير” في 1959، تحت اسم “سامير”، وكانت ملكا للدولة المغربية، قبل أن يتم خوصصتها في 1997، وبيعها لرجل الأعمال السعودي محمد حسين العامودي.
كانت “لاسامير” هي:
– المصفاة الوحيدة في المغرب التي تكرر النفط الخام وتحوله إلى بنزين، غازوال، كيروزين، غاز البوتان، زيت الوقود.
– تشغل 5000 عامل بشكل مباشر، و 20.000 عامل بشكل غير مباشر، في النقل، والخدمات، والصيانة.
– توفر 60% من حاجيات المغرب من المحروقات، والباقي كان يستورد مكررا.
– توفر مخزونا استراتيجيا للمغرب، يكفي لـ 45 يوما، في حالة الأزمات والحروب وانقطاع الإمدادات.
– تدر على الدولة 10 ملايير درهم سنويا من الضرائب والرسوم الجمركية.
وعندما كانت “لاسامير” تشتغل، كان المغرب يمتلك قراره الطاقي، ولا يخضع لابتزاز الشركات العالمية، ولا لتقلبات السوق الدولية.
وقال عامل سابق في “لاسامير”: “كنا نشتغل 24 ساعة على 24 ساعة. المصفاة كانت بحال القلب ديال المغرب. ملي توقفت، القلب ديال المغرب توقف”.
المحور الثاني: لماذا أغلقت “لاسامير”؟ قصة الانهيار
في 2015، توقفت “لاسامير” عن الإنتاج، ودخلت في أزمة خانقة، لأسباب متداخلة:
1. سوء التسيير والنهب
بعد الخوصصة، لم يستثمر المالك السعودي في تحديث المصفاة، بل استنزف أرباحها، وتركها تتقادم. المصفاة التي بنيت في الستينات، لم يتم تحديثها، وأصبحت تنتج بكلفة عالية، وبجودة منخفضة.
2. الديون المتراكمة
تراكمت على “لاسامير” ديون بـ 45 مليار درهم، منها 13 مليار درهم للجمارك والضرائب للدولة، و 10 ملايير للبنوك المغربية، و 22 مليار للموردين الدوليين. وعندما عجزت عن سداد الديون، توقف الموردون عن تزويدها بالنفط الخام.
3. غياب دعم الدولة
الدولة المغربية، بدل أن تنقذ “لاسامير” كما أنقذت شركات أخرى، تركتها تغرق. ورفضت أن تمنحها ضمانات بنكية، أو أن تشتري حصتها، أو أن تتدخل لإعادة هيكلتها.
4. تحرير أسعار المحروقاتد
في 2015، وهي نفس سنة إغلاق “لاسامير”، قررت الحكومة تحرير أسعار المحروقات، ورفع الدعم عنها. وهذا القرار، حسب خبراء، كان هو الضربة القاضية لـ “لاسامير”، لأنه جعل شركات التوزيع تستورد المحروقات المكررة من الخارج بثمن أرخص من ثمن تكريرها في “لاسامير”.
وقال خبير طاقي: “الدولة حررت الأسعار في نفس الوقت الذي أغلقت فيه المصفاة. هذا ليس صدفة. تحرير الأسعار كان لصالح المستوردين، وإغلاق المصفاة كان لصالح المستوردين. المستفيد واحد”.
المحور الثالث: من له المصلحة في بقاء “لاسامير” مغلقة؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه المغاربة كل يوم، والذي يرفض المسؤولون الإجابة عنه.
حسب البحث، هناك 4 أطراف مستفيدة من بقاء “لاسامير” مغلقة:
الطرف الأول: شركات توزيع المحروقات الكبرى.
هذا هو المستفيد الأكبر. قبل إغلاق “لاسامير”، كانت شركات التوزيع تشتري المحروقات من “لاسامير” بثمن تحدده الدولة، وهامش ربحها كان محددا.
بعد إغلاق “لاسامير”، أصبحت شركات التوزيع هي التي تستورد المحروقات المكررة من الخارج، وتبيعها بثمن تحدده هي، بعد تحرير الأسعار. وهامش ربحها ارتفع بشكل كبير.
وحسب تقرير مجلس المنافسة في 2022، فإن شركات التوزيع حققت أرباحا خيالية، تصل إلى 2 درهم في اللتر الواحد، في حين أن هامش الربح القانوني كان لا يتجاوز 0.30 درهم. أي أنها ربحت 6 أضعاف ما كانت تربحه.
وقال تقرير مجلس المنافسة: شركات التوزيع استغلت تحرير الأسعار وإغلاق المصفاة، لتحقيق أرباح غير مشروعة، على حساب المواطن.
وقال مواطن من الدار البيضاء: ملي كانت لاسامير خدامة، الغازوال كان بـ 7 دراهم. ملي سدات لاسامير، الغازوال وصل لـ 16 درهم. شكون اللي ربح؟ المواطن؟ لا، الشركات اللي كتستورد هي اللي ربحات.
الطرف الثاني: الشركات الأجنبية التي تبيع المحروقات المكررة.
قبل إغلاق “لاسامير”، كان المغرب يشتري النفط الخام من الخارج، ويكرره في المغرب، ويشغل العمال المغاربة، ويدفع الضرائب في المغرب.
بعد الإغلاق، أصبح المغرب يشتري المحروقات المكررة من مصافي في إسبانيا، وإيطاليا، وروسيا، والسعودية. أي أن المغرب أصبح يشغل العمال الأجانب، ويدفع الضرائب في الخارج، ويخسر القيمة المضافة.
وقال خبير: إغلاق لاسامير، هو نقل الثروة من المغرب إلى الخارج. نحن نعطي الأموال للمصافي الأجنبية، لكي تكرر نفطنا، وتبيعه لنا بثمن مرتفع. هذا جنون اقتصادي.
الطرف الثالث: لوبي الاستيراد داخل الإدارة.
حسب مصادر، هناك لوبي داخل الإدارة المغربية، يستفيد من الاستيراد، من خلال الصفقات، والعمولات، والرشاوى. هذا اللوبي يعرقل كل محاولة لإحياء “لاسامير”، لأنه إذا عادت “لاسامير” للاشتغال، سيتوقف الاستيراد، وستتوقف مصالحه.
الطرف الرابع: الدائنون والبنوك.
البنوك التي أقرضت “لاسامير” 10 ملايير درهم، تريد استرجاع أموالها عن طريق بيع أصول “لاسامير” في المزاد العلني، وليس عن طريق إعادة تشغيلها. لأن بيع الأرض التي تقع عليها المصفاة في المحمدية، والتي تبلغ مساحتها 200 هكتار، على شاطئ البحر، يمكن أن يدر عليها 20 مليار درهم، إذا بيعت كعقار للبناء الفاخر، وليس كمصفاة.
وقال فاعل نقابي: هناك من يريد أن يحول أرض لاسامير إلى عمارات وشقق فاخرة، وليس إلى مصفاة. أرض لاسامير في المحمدية، على البحر، ثمنها خيالي. هؤلاء يريدون أن يبيعوها، ويربحوا الملايير، ولا يهمهم أن يبقى المغرب بدون مصفاة.
المحور الرابع: ما هو تأثير إغلاق “لاسامير” على ثمن المحروقات؟
تأثير الإغلاق على الثمن، واضح وبالأرقام:
*قبل الإغلاق (2014):*
– ثمن الغازوال: 8.50 درهم
– ثمن البنزين: 10 دراهم
– المغرب يملك مصفاة، ومخزون استراتيجي
*بعد الإغلاق (2024-2026):*
– ثمن الغازوال: 13 – 16 درهم
– ثمن البنزين: 14 – 17 درهم
– المغرب لا يملك مصفاة، ولا يملك مخزونا استراتيجيا، ويعتمد 100% على الاستيراد
وقال خبير اقتصادي: “إغلاق لاسامير، هو السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب. لأننا أصبحنا نشتري المحروقات المكررة، بثمن مرتفع، وندفع تكاليف النقل والتأمين والتخزين، ونخضع لتقلبات السوق الدولية. لو كانت لاسامير تشتغل، لكان ثمن الغازوال اليوم لا يتجاوز 9 دراهم، وليس 14 درهم”.
وأضاف: “عندما كانت لاسامير تشتغل، كان المغرب يشتري النفط الخام بـ 70 دولار للبرميل، ويكرره بـ 10 دولار، فيصبح ثمن اللتر 7 دراهم. اليوم، نشتري الغازوال المكرر بـ 100 دولار للبرميل، أي أننا ندفع 30 دولار إضافية للمصافي الأجنبية”.
المحور الخامس: لماذا يطالب المغاربة قاطبة بإحياء “لاسامير”؟
يطالب المغاربة بإحياء “لاسامير”، من كل الفئات:
– النقابات: تطالب بإحيائها لإنقاذ 5000 عامل، الذين أصبحوا عاطلين عن العمل منذ 10 سنوات، ويعيشون في الفقر.
– الأحزاب: جميع الأحزاب، من اليمين إلى اليسار، تطالب بإحيائها، لأنها قضية سيادة وطنية.
– البرلمان: البرلمان شكل لجنة استطلاعية في 2018، أوصت بإحياء “لاسامير”، لأنها ضرورية للأمن الطاقي.
– المواطنون: يطالبون بإحيائها، لأنهم يريدون محروقات رخيصة، ولا يريدون أن يبقوا رهينة لشركات التوزيع.
– الخبراء: يطالبون بإحيائها، لأن العالم كله يتجه نحو تعزيز السيادة الطاقية، بعد حرب أوكرانيا، وأزمة الطاقة العالمية.
وقال مواطن من المحمدية: “نحن نرى المصفاة كل يوم، وهي ميتة، ونحن نعاني من الغلاء كل يوم. كيف يعقل أن تكون عندنا مصفاة، ونستورد المحروقات من الخارج؟ هذا غير معقول”.
المحور السادس: هل يمكن إحياء “لاسامير”؟ ما هي الحلول؟
يقترح الخبراء 3 حلول لإحياء “لاسامير”:
*الحل الأول: تأميم “لاسامير”*
أن تشتري الدولة “لاسامير” من المسطرة القضائية، وتعيد تشغيلها كشركة عمومية، كما فعلت مع شركات أخرى. هذا الحل يكلف الدولة 20 مليار درهم، لكنه سيوفر عليها 30 مليار درهم سنويا من فاتورة الاستيراد.
*الحل الثاني: شراكة عمومية-خاصة*
أن تدخل الدولة كشريك مع مستثمرين مغاربة وأجانب، لإعادة تأهيل المصفاة، وتحديثها، وإعادة تشغيلها. هذا الحل يتطلب إرادة سياسية، وضمانات للمستثمرين.
*الحل الثالث: بناء مصفاة جديدة*
إذا كان إصلاح “لاسامير” مكلفا، يمكن بناء مصفاة جديدة، بمواصفات حديثة، في الناظور أو طنجة، قرب ميناء المتوسط. هذا الحل يكلف 40 مليار درهم، لكنه سيضمن للمغرب سيادته الطاقية لـ 50 سنة قادمة.
وقال خبير: “المغرب أنفق 100 مليار درهم على مشاريع لا تنتج شيئا، مثل الملاعب، والقطار فائق السرعة، والمهرجانات. لماذا لا ينفق 20 مليار درهم على مصفاة، ستنتج المحروقات، وتشغل العمال، وتخفض الأسعار؟”.
“لاسامير” ليست مصفاة، بل هي قضية وطن
إن قضية “لاسامير”، ليست قضية شركة أفلست، بل هي قضية وطن، وقضية سيادة، وقضية كرامة.
عندما يطالب المغاربة قاطبة بإحياء “لاسامير”، فإنهم لا يطالبون بعودة شركة، بل يطالبون بعودة القرار الطاقي للمغرب، وعودة المحروقات الرخيصة، وعودة العمال لعملهم، وعودة الكرامة للمغرب.
فهل ستستجيب الدولة لمطالب المغاربة، وتعيد إحياء “لاسامير”، وتخفض أسعار المحروقات، وتقطع الطريق على لوبي الاستيراد؟ أم أنها ستبقي “لاسامير” مغلقة، وتبقي المغاربة رهينة لشركات التوزيع، وتتركهم يدفعون 16 درهما للتر الواحد، بينما يربح المستوردون الملايير؟
إن الجواب على هذا السؤال، سيحدد مستقبل الطاقة في المغرب، ومستقبل القدرة الشرائية للمغاربة، ومستقبل السيادة الوطنية.
والتاريخ لن يرحم من أغلق “لاسامير”، ومن يصر على إبقائها مغلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى