منوعات

ماكرون استغل تجاهل ترامب للشرق الأوسط ولعب دوراً كبيراً في عدة قضايا.. نيويورك تايمز: هل يمكن أن ينجح؟

MACRON

 

حالة التراخي والانزواء التي تمارسها الإدارة الأميركية إزاء منطقة حيوية في قلب العالم وهي منطقة الشرق الأوسط، دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمحاولة ملء الفراغ الذي تركه ترامب عبر نشاطه الدبلوماسي والسياسي السريع تجاه أزمات المنطقة.

وتقول صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، السبت 9 ديسمبر/كانون الأول 2017، قرار ترامب الأسبوع الماضي بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وتغريداته المعادية للمسلمين، وقراره بتخفيض عدد موظفي وزارة الخارجية، أدت إلى تراجع الدبلوماسية الأميركية بالنسبة لكثيرين.

هذا التراجع أتاح فرصةً ذهبية لمن يريدون الظهور على الساحة، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فسرعان ما لعب ماكرون دوراً ظاهراً في الشرق الأوسط، خصوصاً بعدما أصبحت كلٌ من بريطانيا وألمانيا مشغولتَين بسياساتهما الداخلية، بحسب الصحيفة الأميركية.

وعقب قرار ترامب بشأن القدس اتصل ماكرون بالرئيس الأميركي ليخبره أنَّ هذا القرار قد “أربك” فرنسا.

دوره في لبنان

ولعب ماكرون بشكلٍ شخصي في نوفمبر/تشرين الثاني دور التوازن في لبنان بعدما استقال رئيس الوزراء سعد الحريري وظنَّ الكثيرون أنَّ السعودية هي من خطَّطت لذلك. وعلاوة على ذلك، وضع خطةً لوقف تدفُّق اللاجئين من جنوب الصحراء الكبرى قبل أن يصلوا ليبيا. والآن يضع ماكرون فرنسا في موضعٍ يسمح لها بتشكيل سياسة ما بعد الحرب في سوريا.

في المقابل، بدت الولايات المتحدة مُتردِّدةً حيال التدخُّل في صنع السياسات في كل تفاصيل الوضع السوري، تاركةً المساحة لروسيا لتلعب الدور الأكبر، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال جيلز كيبيل، الخبير في الحركات الإسلامية والأستاذ بجامعة سيانس بو الفرنسية،: “إن كان هذا قد حدث قبل خمس سنوات، لكنا رأينا تدخلاً دبلوماسياً أميركياً” لانتزاع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من قبضة السعوديين.

وأضاف كيبيل أنَّ “إدارة ترامب لا يمكن توقُّع تحرُّكاتها لأن الرئيس يفعل مساءً عكس ما ينشره من تغريداتٍ على تويتر في الصباح”.
وقبل عدة أسابيع أجبرت السعودية رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة فيما قالت مصادر إعلامية بأن الحريري كان قيد الاقامة الجبرية في الرياض قبل أن يتدخل ماكرون في إطلاق سراحه وعودته إلى لبنان، التي عدل فيها الحريري عن الاستقالة.

وقال ريان كروكر، وهو دبلوماسيٌ متقاعد عمل لسنواتٍ في الشرق الأوسط: “في الماضي لعبت الولايات المتحدة دوراً رئيسياً واضحاً في لبنان، لكن من المفترض أن السعوديين قد فعلوا ما فعلوه بالحريري دون أن يوجهوا كلمةً لنا، وهو أمرٌ ذو دلالة”، بحسب الصحيفة الأميركية.

وأضاف كروكر: “بما أنَّ هذا الأمر يخص السعودية أكثر من لبنان، كنَّا سنتدخَّل بقوة إذا كنَّا في ظل ظروفٍ عادية”.

ويُعد أحد مقاييس عمق الانسحاب الأميركي هو أنَّه حتى الدول التي يعتبرها ترامب دولاً صديقة، مثل السعودية، لا يوجد بها سفيرٌ أميركي. وينطبق الأمر نفسه على ست دول أُخرى.

وقد نفى وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، الأسبوع الماضي أنَّ هناك مناصب دبلوماسية عليا شاغرة قد أثرت على فاعلية مشاركة الوزارة. وقال من فندق بريستول في فيينا: “أريد أن أقول هذا لأن الكثير من الأشياء تُكتَب في وسائل الإعلام عن وزارة الخارجية الخاوية والممرات الخالية التي أمشي فيها وحدي، حيث كل ما يمكنني سماعه هو أصداء خطواتي. وهذا ليس صحيحاً، أقول للناس في كل مكان أنَّ هذا ليس صحيحاً”.

وأضاف: “لدينا شخصيات كبيرة وكفؤة وقادرة على العمل قد ترقّت إلى مناصب قيادية بينما نعمل على ملء تلك الأدوار، فنحن لم نغفل شيئاً على الإطلاق”.

مرجعية ترامب الوحيدة في الشرق الأوسط

وتضيف نيويورك تايمز يبدو أنَّ مرجعية ترامب الرئيسية في الشرق الأوسط هي إسرائيل، وبينما أعرب عن دعمه للقادة العرب السنة، فإنه من الصعب على الولايات المتحدة أن تمارس نفوذها بدون سفراء لتعزيز رسالته، وخاصةً في جزءٍ من العالم يقدّر البروتوكول.

وعلاوة على ذلك، ركَّزَ ترامب في العالم الإسلامي على هدم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وعزل إيران، لكنه تجنَّبَ الخوض في السياسات المشحونة للمنطقة.

وعلى النقيض من ذلك، لم تحجم الحكومة الفرنسية عن معالجة المشاكل السياسية في الشرق الأوسط. وقال إميل هوكيم، الزميل الكبير في أمن الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، إنَّ فرنسا لديها “رأس مال لتنفقه” في المنطقة.

والواقع أن مشاركة فرنسا العميقة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ليست جديدة. فقد احتلت الجزائر لأكثر من 130 عاماً، حتى دُفِعَت إلى حربٍ وحشية في أوائل الستينيات. وبعد الحرب العالمية الأولى، قسَّمَت فرنسا وبريطانيا الإمبراطورية العثمانية، وحصلت فرنسا على تفويضٍ لحكم سوريا ولبنان، وإقامة علاقات دائمة مع الأخيرة، بحسب الصحيفة الأميركية.

وفي الآونة الأخيرة، حظت فرنسا بدعم العرب السُنَّة لسببين: أولهما رفضها دعم الغزو الأميركي للعراق وثانيهما لاستعدادها لقتال الرئيس السوري بشار الأسد.

وتحتل السعودية وقطر ومصر المراكز الثلاثة الأولى (على الترتيب) في قائمة الأسواق المُستورِدة لمعدات التسليح الفرنسية. وفي الأسبوع الماضي، أعلن ماكرون، في زيارةٍ إلى قطر، صفقةً بين البلدين تشتري بموجبها قطر طائراتٍ فرنسية مُقاتِلة بقيمة 1.3 مليار دولار.

والأربعاء، 6 ديسمبر/كانون الأول، كان ماكرون في زيارة إلى الجزائر، لدعم العلاقات بين البلدين تحسباً لانتقالٍ، لم يتأكَّد بعد، للسلطة في البلاد من يد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسببِ تدهُور صحته.

علاقاته قليلة في الشرق الأوسط!

وتعتبر الصحيفة الأميركية أن ماكرون، الذي صعد إلى رئاسة فرنسا لا يملك سوى القليل من العلاقات في الشرق الأوسط، ورغم ذلك عيَّن فريقاً يعرف المنطقة جيداً؛ فوزير خارجيته جان إيف لودريان، الذي كان يشغل سابقاً منصب وزير الدفاع، لديه العديد من الصلات الوثيقة بالجيوش العربية. ومن بين كبار المسؤولين الآخرين في وزارة الخارجية الفرنسية سفير سابق في لبنان، عمل أيضاً في المملكة السعودية وإيران، فضلاً عن حشدٍ من الدبلوماسيين ذوي الباع الطويل من العمل في الشرق الأوسط.

وقال هوبير فيدرين، وزير خارجية في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، إن نهج ماكرون مختلفٌ عن نهج سلفيه فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي.

وأضاف: “إنه يريد البقاء على اتصالٍ مع السعوديين، ومع القطريين، ومع الإمارات، حتى أنَّه قال إنه سوف يذهب إلى إيران يوماً ما. هذا رئيس لا يريد أن يُحسب على معسكر واحد. (ماكرون) يعتقد بأن صلة ساركوزي بقطر وصلة هولاند بالمملكة العربية السعودية كانتا أوثق من اللازم”، بحسب الصحيفة الأميركية.

هل ستحل فرنسا محل الولايات المتحدة

ويرى دبلوماسيون إن فرنسا لم تستطع أن تحل محل الولايات المتحدة؛ فهي دولة أصغر، وليس لديها القدرة على ضمان اتفاقاتها بالطريقة التي تستطيع أميركا ضمانها، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال هوكيم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “على الرغم من شكوكهم بشأن نهج ترامب، فإنَّ الفرنسيين لا يعملون لحسابهم الخاص أو يرسمون مساراً بعيداً عن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ فهم غالباً ما يحصلون على دعم أميركي مُستتر؛ هم الوجه المرئي للدبلوماسية”.

ولكن مُحلِّلين لاحظوا التباين بين انخراط ماكرون في الشرق الأوسط والاستراتيجيات التي يتبعها وبين ترامب.

يقول جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لمجموعة الأزمات الدولية في بروكسل: “قبل ترامب، كنا ما نزال في القرن الأميركي”.

وأضاف: “كان الأميركيون يستخدمون حلفاءهم البريطانيين والفرنسيين للقيام ببعض المبادرات بما يتفق مع الاستراتيجية الأميركية. كانوا مستشارين موثوقاً بهم (من طرف الولايات المتحدة). لكن الوضع الآن مختلف؛ فإدارة ترامب ليست مهتمة بالدبلوماسية”.

وتابع: “الانسحاب هو استراتيجية ترامب الواضحة الوحيدة، إن كانت له استراتيجية”.

وقال هيلترمان إنَّ ماكرون يرى أنَّ ملء هذا الفراغ ليس فقط فرصة سانحة لفرنسا، بل أمراً بالغ الأهمية أيضاً للحفاظ على توازن النفوذ الغربي بينما “يقترب حلول القرن الصيني”.

وشرح: “يدرك (ماكرون) مخاطر الغياب عن الساحة العالمية، ويرى أنَّ (الانخراط بهذا الشكل) وسيلة لرفع مكانة فرنسا، وربما ألمانيا وأوروبا، والحفاظ على النفوذ الغربي في غياب استراتيجي ودبلوماسي أميركي”.

وتجلَّى دافع ماكرون للانخراط في الشرق الأوسط في تدخُّله لتحقيق الاستقرار في لبنان، عندما كان يعتقد بأنَّ السعوديين أجبروا رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة.

وكان الزعيم الفرنسي، الذي كان يسافر آنذاك إلى الخليج لفتح فرع لمتحف اللوفر في أبو ظبي، يخشى أن يتدهور الوضع في لبنان؛ ما يؤدي إلى رجحان كفة حزب الله البناني الذي يتمتَّع بقوة سياسية وعسكرية بدعمٍ من إيران.

وقد توجَّه ماكرون إلى الرياض للاجتماع بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ثم أتبع الزيارة بالعديد من المحادثات، ورتَّب خطة زيارة الحريري إلى فرنسا.

نجحت مناورة ماكرون في تهدئة مؤقتةٍ للتوتُّرات السعودية الإيرانية التي تكمن وراء الكثير من الصراعات الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى