الفقه والشريعةقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

وقفات وتأملات في قوله تعالى:”يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحياتي”

الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن

almizan.ma

وقفات وتأملات في قوله تعالى:”يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحياتي”
الميزان/ الجديدة: الدكتور عبد الرحيم أشن
مقدمة:
يضعنا القرآن الكريم أمام مشاهد الآخرة لا لمجرد الإخبار، بل لإيقاظ القلب، وتوجيه السلوك، وبناء الوعي الوجودي للإنسان.
ومن أعمق هذه المشاهد وأشدّها وقعًا على النفس، هذا النداء المتأخر الموجِع:
﴿يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾؛
إنها ليست حسرة على مالٍ ضاع، ولا جاهٍ فات، ولا متعةٍ انقضت، بل حسرة على حياة حقيقية لم يُقدَّم لها.
فالآية تفتح سؤالًا مصيريًا:
– ما هي الحياة الحقيقية؟
– ومتى تبدأ؟
– ولماذا نندم على ما لم نقدّمه لها؟
– وكيف يمكن لمسلم اليوم، وسط ضجيج العصر، أن ينجو من هذا الندم؟
أولا: السياق القرآني للآية:
1: موقع الآية في سورة الفجر؛
تأتي الآية في سياق مشهد القيامة، بعد عرض حال الإنسان الذي:
– انشغل بالدنيا؛
– غفل عن الابتلاء؛
– أساء فهم العطاء والمنع؛
– عاش بلا بوصلة أخروية؛
ثم يُفاجأ بالحقيقة الكبرى:
﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾؛
فتنكشف البصيرة، لكن بعد فوات الأوان:
﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى﴾..
وهنا يخرج هذا الصوت:
﴿يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾.
2: لماذا قال لحياتي ولم يقل لآخرتي؟
هذه من أعظم دقائق البيان القرآني.
الدنيا ليست هي الحياة، بل مرحلة إعداد.
الآخرة هي الحياة:
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾؛فالندم ليس على تقصير في الدنيا،
بل على عدم الاستثمار في الحياة الحقيقية.
ثانيا: الدلالات التفسيرية للآية؛
1: معنى “قدمت”:
التقديم: إرسال العمل قبل الوصول.
كل ما نعيشه الآن يُشحن للأمام.
لا شيء يُصنع هناك… كل شيء يُحصَد.
الدنيا = زمن الزرع.
الآخرة = زمن الحصاد.
2: حقيقة الندم المتأخر:
الندم هنا:
– وجودي؛
– نهائي؛
– غير قابل للإصلاح؛
لأنه ندم بلا عمل.
قال الحسن البصري يرحمه الله:
“الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.”
ثالثا: البعد التربوي والنفسي للآية؛
1: أزمة الإنسان المعاصر:
مسلم العصر يعيش:
– تسارعًا؛
– استهلاكًا؛
– تشتيتًا؛
– تضخيمًا للحظة؛
– تهميشًا للمآل..
فيُصاب بـ:
– قِصر النظر الوجودي؛
– تضخم الاهتمام بالآن؛
– ضعف الإحساس بالآخرة؛
2: أخطر خدعة نفسية:
أن تعيش وكأن الموت فكرة… لا موعد.
فيؤجِّل:
– التوبة؛
– الإصلاح؛
– النية؛
– الصدق؛
– البناء الحقيقي.
حتى يفجأه الصوت:
﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾.
رابعا: الحياة في ميزان القرآن؛
الحياة نوعان:
– حياة الجسد:
أكل، شرب، نوم، لذة؛
تنتهي بالموت
– حياة الروح والمعنى:
تبدأ بعد الموت؛
لا تُنال إلا بما يُقدَّم الآن.
قال ابن القيم:
“ليست الحياة بكثرة الحركة، ولكن بقوة الأثر.”.
خامسا: كيف يُقدِّم مسلم العصر لحياته؟
1: على مستوى الوعي:
– تصحيح تعريف النجاح؛
النجاح ليس ما يُصفَّق له؛
بل ما يُنقذك هناك.
– استحضار الآخرة يوميًا:
– بالقرآن؛
– بالذكر؛
– بتأمل الموت لا فكرة سوداوية، بل بوصلة.
2: على مستوى النية:
– تحويل العادات إلى عبادات:
* العمل؛
* التعلم؛
* التربية؛
* العلاقات..
بالنية… تتحول التفاصيل إلى رصيد أبدي.
3 : على مستوى السلوك:
– العمل الصالح المستمر؛
– القليل الدائم؛
لا الموسمي المنقطع.
– إصلاح القلب:
* الحقد؛
* الكِبر؛
* الرياء؛
* التعلق المرضي بالدنيا؛
– حُسن الأثر:
* أن تترك أثرًا طيبًا؛
كلمة، علم، رحمة، إصلاح..
4: على مستوى العلاقات:
* تقديم:
– العفو؛
– الصدق؛
– الوفاء؛
– الإحسان.
فكثير من الندم الأخروي سببه:
أذى الناس، لا قلة النوافل.
5: على مستوى المشروع الحياتي
* أن يكون للمسلم:
– رسالة؛
– نية ممتدة؛
– أثر يتجاوز عمره.
قال ﷺ:
“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…”..
سادسا: نماذج قرآنية قدّمت لحياتها:
– آسية: قدّمت الإيمان على القصر.
– مؤمن آل فرعون: قدّم الحق على السلامة.
– أصحاب الأخدود: قدّموا العقيدة على الحياة الجسدية.
فخلّدهم الله… لأنهم عاشوا للحياة الحقيقية.
خاتمة:
وصية الآية للقلوب الحية؛
هذه الآية ليست:
– للوعظ فقط؛
– ولا للتخويف المجرد.
بل:
جرس إنذار مبكر؛
يقول لنا:
– لا تنتظر لحظة “يا ليت”؛
– اصنع اليوم “الحمد لله”..
سؤال ختامي للتأمل:
لو وقفت الآن بين يدي الله…
ماذا قدّمتَ لحياتك؟
توصيات عملية:
– جلسة أسبوعية للمراجعة:
ماذا قدّمت هذه الأسبوع للحياة الحقيقية؟
– مشروع صدقة جارية (علم – تربية – أثر).
– مصاحبة القرآن لا معلومة بل مرآة.
“اللهم لا تجعلنا ممن يقولون: يا ليتني قدمت لحياتي.”
خلاصة:
من عاش للدنيا… مات فيها.
ومن قدّم للآخرة… حيي بها.
د. عبد الرحيم أشن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى