كتاب الراىمنوعات

جنون الرعب 

الميزان / مراكش : حاميد اليوسفي

almizan.ma

قال محلل محايد عندما تصاب سلطة ما بجنون الرعب فهي توزعه بالتساوي على الجميع .
اللوحة الأولى :
خرج عبد الله بعد صلاة الفجر لشراء الحليب لابنه الرضيع، وجد طابورا طويلا في انتظاره. مرت أربع ساعات، ولم يصل دوره بعد. الطابور يتحرك ببطء. كل مواطن يستفيد من نصف لتر مقابل مبلغ خيالي، كأن البلد يعيش في وضعية حرب. وهو على بعد خمسة أمتار توقفت عملية التسليم بفعل نفاد المخزون. الناس قدمت قبل صلاة الفجر من الأحياء المجاورة لتحصل على ربع أو نصف لتر من الحليب لأطفالها الرضع. بدأ الناس خلفه يتذمرون ويصرخون وكأنهم يحتجون. وقف شرطي أمام الباب يتحدث في مكبر للصوت طالبا من الناس الانسحاب بهدوء. وقال بصوت عال :
ـ البقر لم يعد ينتج نفس الكمية، كأن أحدا سحر له، أو يسرق الحليب من ضرع الأبقار، ولا بد أن تكون للبلد المجاور يد في ذلك.
لم يستطع عبد الله أن ينبس بكلمة، التهمة جاهزة والعدو معروف، وأنت إما مع الوطن أو مع العدو. لكنه أقسم أن يفضحهم في المساء على منصات التواصل الاجتماعي، ثم تراجع عن قسمه، وطلب من الله أن يغفر له زلة لسانه. لا بد أن تكون هناك شرطة تراقب كل ما يُكتب ويُنشر، وعندما تعتقل مُتّهما، فهي تعتقله بالجرم المشهود. أي نقد للأوضاع في الدولة العظمى، حتى ولو تعلق بندرة الحليب، فهو مسّ بالأمن القومي، وتواطؤ مع الجار العدو.
اللوحة الثانية :
في صباح يوم عيد الأضحى أحياء بكاملها انقطع عنها الماء في عاصمة الدولة العظمى. خرج الناس أمام المنازل والعمارات يسألون بعضهم البعض عن الماء ومتى سيأتي؟ بعضهم حاول الاتصال بالمكتب المسئول عن توزيع الماء. ظل الهاتف يرن، ولكن لا أحد يجيب.
قال رشيد بغبن :
ـ لن يعود الماء حتى يذبح العسكر والرئيس والوزراء وضيوفهم.
رد عليه يوسف :
ـ علية القوم أولا ثم مجتمع الرعاع بعد ذلك.
اقترب منهما رجل مسن يعرف والديهما، وهمس إليها أن يكفا عن مثل هذا الكلام، فقد يكون بين الجموع بصاصين*، ينقلون كل ما يعتقدون أنه يسيء للدولة العظمى. وخسارة أن يحزنا أسرتيهما في اليوم السعيد، وينغصان عليهما فرحة العيد. ثم أضاف فيما يشبه التأكيد بصوت عال :
ـ سيأتي الماء، وسنذبح الأغنام، ونفرح مثل باقي الناس.
لم يتسلل الماء عبر الأنابيب بقطرات ضعيفة إلا بعد صلاة الظهر، ولن يصل الطوابق الأعلى من العمارات إلا بعد يومين أو ثلاثة أو عليهم النزول عند الجيران في الأسفل والصعود بسطول الماء عبر السلالم. الحرارة مفرطة كأنها تحالفت مع علية القوم، وسلطت لهيبها على القطيع في الأسفل.
لا ماء لا كهرباء لا أنترنيت لا حليب لا زيت لا أوكسجين لا دواء يوم العيد، ولينطح الناس الذين يقبعون في الأسفل رؤوسهم مع الحائط، ومن لم يعجبه ذلك، فالرصاص المطاطي جاهز، وقد يتحول بفعل قرار مجنون إلى ذخيرة حية.
اللوحة الثالثة :
مع الحرائق التي عرفتها الغابات بالشمال الشرقي للدولة العظمى، تعجب إبراهيم كيف أن البلد الجار الذي يصفه التلفزيون بالعدو اللدود، توجه إلى مؤسسات الدولة، وأخبرها بأنه على استعداد لأن يقدم لها أربع طائرات كاندير متخصصة في إطفاء الحرائق لا تتوفر عليها سوى دول محسوبة على رؤوس الأصابع، لكن السيد الرئيس ظهر على شاشة التلفزيون، وهو يصرح بعظمة لسانه، بأنه اتصل بدول الاتحاد الأوروبي طلبا ليد المساعدة لكن لم تستجب لطلبه أية دولة، وعلل ذلك بأن كل الطائرات تعمل على إطفاء الحرائق في اليونان وتركيا وغيرهما من البلدان.
وبعد ذلك بوقت وجيز، بدأ يسمع في الأخبار بأن الحرائق التي نشبت في غابات البلد، هي بفعل فاعل، وأن أصابع الاتهام تشير إلى الجيران.
استغرب الناس لهذا الاتهام المفاجئ. البعض قال لو أن الجار هو الذي تسلل إلى الشرق وأضرم النار، فمن أشعلها في تركيا واليونان وأمريكا وروسيا وفرنسا وإيطاليا وقبرص؟ هذه بلدان شهدت حرائق ضخمة، ولكن عقلاءها كلهم صرحوا بأن الحرائق عندهم تسبب فيها الاحتباس الحراري، وتقلبات المناخ، واشتداد موجة الحر.
وتعجب إبراهيم كيف أن النيران التهمت آلاف الهكتارات عند الجيران، ولم يوجهوا أصابع الاتهام لأحد. والغريب أنه رغم قوة النيران فقد سيطروا عليها بسهولة، ولم تكن هناك خسائر في الأرواح أو الماشية، ورأى الناس في وسائل التواصل الاجتماعي عبر الصوت والصورة كيف حلقت وحوش صفراء فوق الحرائق، وأفرغت آلاف الأطنان من المياه، وأخمدت النيران بسرعة. الشيخ جوجل قيم ثمن كل وحش من هذه الوحوش الصفراء بما لا يقل عن خمسة وعشرين مليون دولار.
أحس إبراهيم بالغبن، وهو يتابع الأخبار المتضاربة، وما تعرفه من كذب وبهتان. وردد مع نفسه :
ـ يا ريّس كيف يتوفر البلد على الأطنان من البطاطس ومخزون كبير من النفط والغاز وعلى عائدات مالية ضخمة، والقوة العظمى لا تتوفر حتى على طائرة واحدة لإطفاء الحرائق؟
التفت يمينا وشمالا، تأكد بأنه بعيد عن الناس، ولم يسمعه أحد، وإلا وجد نفسه في الأقبية السرية التي لم يخرج أحد دخل إليها من قبل حيا.
اللوحة الرابعة :
استيقظ عبد القادر في الصباح، فوجد قطيعا صغيرا من الغنم اختفى من الحظيرة. كاد يجن، خرج من فناء الخيمة إلى الجوار. لم ير شيئا، كأن الأرض بلعته. سار مئات الأمتار، نادى على جاره عباس، واشتكى له مما حصل في هذا الصباح. بحثا في كل المناطق المجاورة لكنهما لم يعثرا على شيء. في اليوم الموالي ركبا في الجرار، وقطعا حوالي عشرين كيلومترا ليصلا مركز الدرك. سجلا شكاية في الموضوع، وعادا إلى البلدة. بعد يومين شاهد مذيع الأخبار في التلفزيون الرسمي، ينقل تصريحا عن رئيس الدرك، يتهم فيه الجيران بالوقوف وراء سرقة قطيع من الغنم، ويحرف شهادة المشتكي، ويقدمه في التقرير بأنه هو الذي شك بأن عصابة قدمت من البلد المجاور لسرقة الأبقار والأغنام، وأن الكثير من الفلاحين قدموا شكوى في الموضوع، وكان لهم نفس الاتهام.
استغرب عبد القادر من تصريح الدرك، وتغطية الصحفي، وتحدث في ذلك مع جاره عباس، فنصحه بالصمت، وأن يعمل كأنه لم يسمع شيئا، وإلا فبركوا له تهمة التواطؤ مع العدو، واتهموه بالخيانة العظمى، ورموه وراء القضبان في انتظار أن يصدر حكم بتصفيته جسديا.
كلام عباس أرعب عبد القادر. لم ينم جيدا في الليل. في كل لحظة يستيقظ مذعورا من كابوس محاصرة الدرك للبيت، وإلقاء القنابل المسيلة للدموع. تصيبه رصاصة يعتقد بأنها مطاطية، فيقفز من الفراش مذعورا حتى أيقظ زوجته.

اللوحة الخامسة :
لم يعد الناس يصدقون كل ما يسمعون من أخبار. الشيخ غوغل يفضح كل شيء.
ـ سمعوا مسئولا في الدولة يدلي بتصريح خطير، أثار الكثير من الضحك. القوة العظمى يمكن أن تشتري كل ما تحتاج إليه من سلاح بعائدات البطاطس التي ستصدر إلى الخارج. بحثوا عن دولة واحدة في التاريخ تسلحت وانتصرت على خصومها بالبطاطس، فلم يعثروا على شيء. وحدها الدولة العظمى تملك سر هذه المعجزة.
ـ صرحت صحفية بالفم الملآن أمام المشاهدين بأن الرحالة ابن بطوطة جزائري الأصل، رغم أن مقررات قديمة درست فيها الأجيال السابقة تنسب مسقط رأسه لمدينة طنجة. من يدري ربما يطالب هؤلاء المجانين غدا بضم مدينة طنجة إلى تراب الدولة العظمى!
ـ قال صحفي وهو يفتح عينيه حتى كادا يخرجا من محجريهما بأن صومعة الكتبية ليست مغربية كما تدعي كتب التاريخ، وأن الجيش يتوفر على وثائق سرية تؤكد أن المرابطين سرقوها من الجوار.
ـ انقطع التيار الكهربائي في الحي، فاستبق الناس نشرة الأخبار، وقالوا لا بد أن جنا تسلل من البلد المجاور خفية، وتسبب في ذلك.
الدولة العظمى أصبحت مثل عالم من الرمل اجتاحته رياح قوية فغطت عاصفة سماء الدولة. اختنقت الشمس، وعم الظلام، وتحول البلد إلى مسخرة .
اللوحة الأخيرة :
قد تشك في كتاب مقدس، لا بأس، أهل الوقت يمكن أن يغمضوا أعينهم، لكن حذار أن تناقش أو تُكذّب أو تشكّ فيما ينقله التلفزيون من تصريحات وأخبار تتعلق بالأمن القومي للدولة العظمى، وإلا ستعرض نفسك للمساءلة، وما ينتج عنها من اعتقال وتعذيب وسجن وقطع الرؤوس.
أنت أقل من مسمار في حذاء جنرال. دورك هو أن تنحني، وتطيع وتقول نعم. وإذا سخن عليك رأسك، ورفعته قليلا، فالرصاص الحي جاهز، ومن يصدر الأوامر بإطلاقه ركبه الهبل منذ سنوات.
مراكش 25 غشت 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى