اللحوم الحمراء تفرغ جيوب المغاربة بلا حسيب ولا رقيب
الميزان/ الرباط: المصطفى قصاب
إذا كنت مواطنا مغربيا متوسط الدخل، فاعلم أن الكسكس باللحم أصبح ترفا، والطاجين مشروعا استثماريا.
أسعار اللحوم الحمراء في المغرب اليوم خرجت عن السيطرة تماما، وتحولت من مادة غذائية أساسية إلى مادة للمضاربة والاغتناء الفاحش، وسط صمت حكومي وغياب أي مراقبة حقيقية.
الأرقام صادمة 180 درهم للغنمي.. حسب جولة ميدانية قمنا بها في أسواق الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس يوم 26 شتنبر 2026:
– لحم الغنم (الغنمي): من 140 إلى 180 درهم للكيلوغرام في التقسيط، بعدما كان قبل سنتين لا يتجاوز 80 درهم.
– لحم البقر (البكري): من 90 إلى 140 درهم للكيلوغرام حسب الجودة.
– لحم البقر البرازيلي المجمد: 80 إلى 90 درهم*، وهو ما يباع للمواطن على أنه بلدي بـ 140 درهم.
سعر الجملة وحده يفضح الكارثة: كيلو الغنمي في سوق الجملة يصل اليوم إلى 130 درهم، أي أن الجزار يربح 50 درهما في كل كيلوغرام واحد بلا جهد.
فأين هي الحكومة؟ وأين هي لجان المراقبة؟
لماذا كل هذا الغلاء؟ 3 أسباب حقيقية وسبب واحد وهمي
المهنيون والباحثون في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة يجمعون على 3 أسباب بنيوية:
1. تبخر القطيع الوطني: في الخمس سنوات الأخيرة، فقد المغرب ثلث ثروته من الأبقار و 40% من قطيع الأغنام بسبب توالي 6 سنوات من الجفاف القاتل، وغلاء الأعلاف المستوردة، وعزوف الكسابة عن التربية بسبب الخسائر. الدولة كانت تشجع تصدير الأفوكادو والبطيخ الأحمر الذي يستهلك الماء، ونسيت أن الكساب الصغير هو أساس الأمن الغذائي.
2. عيد الأضحى 2026: بعدما ألغت الدولة شعيرة الذبح سنة 2025 بشكل استثنائي لإنقاذ القطيع، عاد الذبح هذه السنة، فذبح المغاربة كل ما تبقى من الخرفان. الذكور التي كانت مخصصة للسوق العادي ذهبت كلها للأضحية، ففرغ السوق تماما بعد العيد.
3. تكلفة الإنتاج انفجرت: العلف تضاعف ثمنه 3 مرات، النقل والمحروقات، الأدوية البيطرية. الكساب يشتري الخروف بـ 3000 درهم ويبيعه بـ 3200 درهم، أي يربح 200 درهم بعد 6 أشهر من التربية. فلماذا سيربي؟
أما السبب الوهمي الذي تروجه الحكومة فهو الوسطاء والفراقشية. نعم هناك وسطاء، لكن الأصل هو أن العرض لا يكفي الطلب.
الاستيراد.. أكبر كذبة
الحكومة تقول إنها حلت المشكل بفتح الاستيراد. وصادقت على *المرسوم 2.26.584* الذي يوقف رسوم الاستيراد على الأغنام والأبقار واللحوم إلى غاية 31 دجنبر 2026، وسمحت باستيراد 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف من الجمال من البرازيل والأوروغواي وإسبانيا.
لكن ماذا وقع على أرض الواقع؟
– الاستيراد من إسبانيا متوقف بسبب مرض اللسان الأزرق الذي يضرب الأبقار هناك.
– الاستيراد من البرازيل غالٍ جدا، لأن ثمن اللحم هناك أصبح يقارب ثمن المغرب.
– اللحوم المستوردة تباع للفنادق والمطاعم الفخمة فقط، ولا تصل إلى الجزار الشعبي.
– خطير: بعض الجزارين يشترون اللحم البرازيلي بـ 85 درهم ويبيعونه للمستهلك على أنه بلدي بـ 150 درهم. وهذا هو الغش بعينه.
والدليل أن أحد نوال المعارضة جر وزيرة الاقتصاد للمساءلة وقال لها بالحرف: أين ذهبت الإعفاءات الضريبية؟ لماذا لم تنعكس على جيب المواطن؟
إلى متى؟ الجواب الصادم
سألنا المهني يوسف الولجة، نائب الكاتب العام لجمعية بائعي اللحوم بالدار البيضاء:
الأسعار لن تنخفض قبل 2028 على الأقل.
ولماذا؟ لأن إعادة بناء القطيع الوطني تحتاج إلى 3 سنوات على الأقل، وليس إلى مرسوم استيراد.
والحكومة الحالية، وهي حكومة تصريف أعمال في آخر أيامها قبل انتخابات 2026، تركت الملف للحكومة القادمة.
أما المواطن فأمامه 3 خيارات:
1. يشتري اللحم مرة في الشهر.
2. يتحول إلى الدجاج الذي وصل هو الآخر إلى 24 درهم للكيلو.
3. أو يقاطع.
اللحم الأحمر في المغرب لم يعد غذاء، بل أصبح مؤشرا على الفشل