الحكومات المتعاقبة تتجاهل مأساة الأرامل المهددات بالإفراغ بسبب التماطل في أداء الكراء.
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
ليست مطلقة ولا عازبة، هي أرملة.. مات زوجها، فوجدت نفسها بين ليلة وضحاها أما وأبا، عاملة وخادمة، ومعيلة لأيتام، وفي الأخير.. مهددة بالطرد إلى الشارع باسم القانون.
هذه هي الحكاية المكررة التي لا تريد الحكومات المغربية المتعاقبة أن تسمعها، رغم أن آلاف النساء يعشنها يوميا في صمت، تحت رحمة الفصل 14 من قانون الكراء وفصل التماطل الشهير، الذي يحكم بالإفراغ بمجرد التأخر في أداء واجب كراء شهر واحد.
مات المعيل.. وجاء عون التنفيذ
فاطمة، 42 سنة، من الحي المحمدي بالدار البيضاء، توفي زوجها سائق شاحنة قبل 8 أشهر بحادثة سير. ترك لها 3 أطفال ومحل سكنى يكتريه بـ 1500 درهم، وعقد كراء باسم الزوج المتوفى.
تحكي بدموع: “من نهار مات راجلي، ما بقيت كنصور حتى ريال. وليت كنبيع المسمن في الزنقة باش نوكل وليداتي. مول الدار ما بغاش يعقل عليا، قالي: يا تخلصي يا تخرجي. تأخرت عليه شهرين حيث ما عنديش، مشا دار بيا دعوة بالتماطل، والمحكمة حكمات عليا بالإفراغ في 3 أشهر. فين غادي نمشي أنا وولادي؟”
قصة فاطمة ليست استثناء. في محاكم قضاء القرب والابتدائية بالدار البيضاء وحدها، يتم تسجيل أكثر من 500 دعوى إفراغ شهريا بسبب التماطل، 40% من المتابعات فيها ضد نساء، أغلبهن أرامل أو مطلقات بدون دخل قار.
*قانون أعمى لا يفرق بين المتماطل والمحتاج*
الفصل 14 من القانون 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري ينص على أنه إذا تأخر المكتري عن أداء واجب كراء واحد، يحق للمكري توجيه إنذار، وإذا لم يؤد خلال 15 يوما، يحكم عليه بالإفراغ تلقائيا.
القانون لا يميز بين تاجر يملك الملايين ويتماطل عمدا، وبين أرملة فقدت معيلها ولا تملك ثمن الخبز.
تقول الأستاذة خديجة بوعلي، محامية بهيئة الدار البيضاء: هذا النص أصبح سيفا مسلطا على رقاب الأرامل. القاضي يطبق القانون بشكل حرفي، لا يملك سلطة تقديرية لمراعاة الظروف الاجتماعية. أرملة مات زوجها بالأمس، لا يمكن أن نعاملها كشخص يتماطل بسوء نية. هناك فرق بين التماطل والعجز.
وتضيف: المحكمة تحكم بالإفراغ حتى لو أدت الأرملة كل المتأخرات أثناء سريان الدعوى، لأن القانون يعتبر أن مجرد التأخر موجب للإفراغ، وهذا ظلم تشريعي خطير.
أين هي الحكومات؟ وأين صندوق الأرامل؟
المثير للغضب أن الدولة المغربية أحدثت صندوق التكافل العائلي وصندوق دعم الأرامل، لكنه يمنح 350 درهما عن كل طفل يتيم، بمجموع لا يتجاوز 1050 درهما، وهو مبلغ لا يكفي حتى لأداء نصف سومة الكراء في مدن مثل الدار البيضاء والرباط.
الحكومات المتعاقبة، من حكومة بنكيران إلى حكومة أخنوش، تجاهلت كل المطالب بإصلاح هذا القانون.
جمعيات حقوق المرأة طالبت مرارا بـ:
1. استثناء الأرملة التي يتوفى زوجها من دعوى التماطل لمدة سنة على الأقل، حتى تدبر أمورها، أسوة بما هو معمول به في قانون الشغل الذي يمنح إجازة وفاة.
2. إنشاء صندوق استعجالي لدعم كراء الأرامل يتكفل بأداء 6 أشهر كراء بعد وفاة الزوج.
3. منح القاضي سلطة تقديرية لمراعاة حالة العجز وليس التماطل، وتمكين الأرملة من أداء المتأخرات على أقساط.
4. نقل عقد الكراء تلقائيا باسم الأرملة دون الحاجة لعقد جديد بثمن مضاعف، كما يفعل بعض الملاك الجشعين.
لكن لا حياة لمن تنادي. الحكومة منشغلة بقانون الإضراب وقانون المالية، ونسيت أن هناك نساء يموت أزواجهن مرتين: مرة حين يموت الزوج، ومرة حين يحكم عليهن بالإفراغ إلى الشارع.
صرخة من أجل الرحمة قبل القانون
إننا لا نطالب بخرق القانون ولا بهضم حقوق الملاك، فمن حق المالك أن يتقاضى كراءه، لكننا نطالب بقانون عادل يفرق بين المحتال والمحتاج.
هل يعقل أن تحكم محكمة بالإفراغ على أرملة وثلاثة أيتام لأنها تأخرت 15 يوما عن أداء 1200 درهم، بينما تغض الحكومة الطرف عن لوبيات العقار التي تتهرب من الملايير كضرائب؟
الأرملة المغربية لا تطلب صدقة، تطلب فقط مهلة، تطلب رحمة، تطلب من المشرع أن ينظر إليها كإنسانة فقدت سندها، وليس كرقم ملف في دعوى إفراغ.
فهل ستتحرك وزيرة التضامن والأسرة التي تتقاضى 60 ألف درهم كأجر شهري، لتشعر بامرأة لا تجد 1000 درهم لتأوي أبناءها