السياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

خبايا رفض تسقيف أسعار المحروقات.. لماذا ترفض الحكومة حماية المواطن من الغلاء؟ ومن المستفيد من بقاء الأسعار حرة؟

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

خبايا رفض تسقيف أسعار المحروقات.. لماذا ترفض الحكومة حماية المواطن من الغلاء؟ ومن المستفيد من بقاء الأسعار حرة؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
كلما ارتفع سعر الغازوال والبنزين، وكلما خرج المواطنون للاحتجاج، وكلما طالب البرلمانيون والنقابيون والخبراء بتسقيف أسعار المحروقات، أي تحديد سقف أعلى لا يمكن للشركات تجاوزه، كان جواب الحكومة واحدا، لا يتغير: لا يمكننا تسقيف الأسعار، السوق حرة، والتسقيف سيضر بالاقتصاد.
لكن، هل هذا هو السبب الحقيقي؟ أم أن هناك خبايا وأسرارا أخرى، تدفع الحكومة لرفض التسقيف، رغم أنه معمول به في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، ورغم أنه الحل الوحيد لحماية المواطن من جشع الشركات؟
هذا التحقيق، الذي أجراه المراسل مع وزراء سابقين، وبرلمانيين، وخبراء اقتصاديين، ومصادر داخل وزارة الاقتصاد والمالية، يكشف لأول مرة، الخبايا الخمسة التي تدفع الحكومة لرفض التسقيف، وكيف أن رفض التسقيف ليس قرارا اقتصاديا، بل قرارا سياسيا، تحمي به الحكومة مصالح شركات معينة، ومصالحها هي نفسها.
الخبايا الأولى: الحكومة نفسها تستفيد من الغلاء.. الضريبة هي السر.
أول سر يكشف هذا التحقيق، هو أن الحكومة المغربية هي أول مستفيد من ارتفاع أسعار المحروقات، وليس الشركات فقط.
كيف؟ عبر الضرائب.
عندما تشتري لتر غازوال بـ 16.80 درهم، فإنك تدفع:
– 2.50 درهم ضريبة داخلية على الاستهلاك (TIC).
– 1.50 درهم ضريبة على القيمة المضافة (TVA).
– المجموع: 4 دراهم تذهب مباشرة إلى خزينة الدولة، على كل لتر.
أي أن الدولة تربح 4 دراهم على كل لتر، سواء ارتفع السعر أو انخفض.
لكن، عندما يرتفع السعر، ترتفع قيمة الضريبة على القيمة المضافة، لأنها نسبة مئوية. فعندما كان الغازوال بـ 8 دراهم، كانت الدولة تربح 0.80 درهم TVA. واليوم، عندما أصبح بـ 16 درهم، أصبحت الدولة تربح 1.60 درهم TVA، أي الضعف.
وحسب معطيات وزارة المالية، فإن مداخيل الدولة من ضرائب المحروقات ارتفعت من 20 مليار درهم في 2015، قبل التحرير، إلى 45 مليار درهم في 2025، بعد التحرير، أي أكثر من الضعف.
وقال وزير سابق للمالية، رفض ذكر اسمه: الحكومة لا تريد تسقيف الأسعار، لأن التسقيف سيخفض الأسعار، وبالتالي سيخفض مداخيل الدولة من الضرائب. الحكومة أصبحت مدمنة على ضرائب المحروقات، مثل مدمن المخدرات. لا تستطيع أن تعيش بدونها. ولهذا، ترفض التسقيف، لأنها تخاف على مداخيلها، وليس على الاقتصاد.
الخبايا الثانية: تضارب المصالح.. وزراء وبرلمانيون يملكون محطات وقود.
السر الثاني، وهو الأخطر، هو أن عددا من المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين، يملكون بشكل مباشر أو غير مباشر، محطات وقود، أو أسهما في شركات المحروقات، أو مصالح مع هذه الشركات.
حسب تحقيق المراسل فإن:

– 3 وزراء حاليين في الحكومة، يملكون أفراد عائلاتهم محطات وقود، أو شركات توزيع المحروقات.
– 12 برلمانيا يملكون محطات وقود، أو هم وكلاء لشركات المحروقات الكبرى.
– مسؤولون كبار في وزارة الطاقة، كانوا يشتغلون سابقا في شركات المحروقات، ولا يزالون يحافظون على علاقاتهم معها.
وقال برلماني من المعارضة: كيف تريد من حكومة أن تسقف الأسعار، وهي نفسها تملك محطات الوقود؟ كيف تريد من وزير أن يضرب مصالح شركته، لكي يحمي المواطن؟ هذا هو تضارب المصالح بعينه. في الدول الديمقراطية، الوزير الذي يملك محطة وقود، لا يمكنه أن يكون وزيرا للطاقة. في المغرب، الوزير يملك المحطة، وهو الذي يقرر الأسعار، وهو الذي يرفض التسقيف.
وأضاف: عندما نطالب في البرلمان بتسقيف الأسعار، يقف الوزراء والبرلمانيون الذين يملكون محطات الوقود، ويعارضون بشدة، لأن التسقيف سيقلل من أرباحهم. ولهذا، يتم رفض كل مقترحات التسقيف، رغم أن الأغلبية تريد التسقيف.
الخبايا الثالثة: الضغط من شركات المحروقات الكبرى.. اللوبي الذي يحكم المغرب.
السر الثالث، هو قوة لوبي شركات المحروقات في المغرب، الذي يعتبر أقوى لوبي في البلاد، أقوى من لوبي العقار، وأقوى من لوبي الأدوية.
شركات المحروقات الخمس الكبرى، التي تتحكم في 80% من السوق، تملك:
– ميزانية للإشهار تتجاوز 500 مليون درهم سنويا، تذهب لوسائل الإعلام، لكي لا تتحدث عن فضائح المحروقات.
– علاقات مع الأحزاب السياسية، حيث تمول حملاتها الانتخابية، مقابل حمايتها من التسقيف.
– خبراء ومحامون يشتغلون في الوزارات، ويكتبون التقارير التي تقول إن التسقيف سيضر بالاقتصاد.
وقال خبير اقتصادي: شركات المحروقات في المغرب، ليست شركات عادية، بل هي دولة داخل الدولة. عندما حاولت حكومة سابقة تسقيف الأسعار في 2018، هددت الشركات بوقف التزويد، وبإغلاق محطاتها، وبطرد العمال. الحكومة تراجعت خوفا من الفوضى. ومنذ ذلك الحين، لم تجرؤ أي حكومة على الحديث عن التسقيف.
وأضاف مصدر داخل وزارة الاقتصاد: كلما وضعنا مشروعا لتسقيف الأسعار، يأتي ممثلو الشركات، ويجلسون مع الوزير، ويقولون له: إذا سقفت الأسعار، سنغادر المغرب، وسنقطع التزويد، وستقع أزمة. الوزير يخاف، ويتراجع. هذا هو الابتزاز الذي تمارسه الشركات على الحكومة.
الخبايا الرابعة: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.. التعليمات من الخارج.
السر الرابع، هو أن الحكومة المغربية لا تقرر وحدها، بل تخضع لتعليمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين فرضا على المغرب تحرير أسعار المحروقات في 2015، ويرفضان اليوم أي عودة للتسقيف.
حسب وثائق، فإن صندوق النقد الدولي، في تقريره لسنة 2024، قال بالحرف: يجب على المغرب أن يحافظ على حرية أسعار المحروقات، وأن لا يعود إلى نظام التسقيف، لأن التسقيف سيضر بالمنافسة، وسيزيد من عجز الميزانية.
وقال وزير سابق: الحكومة المغربية، عندما تريد قرضا من صندوق النقد الدولي، يفرض عليها الصندوق شروطا، من بينها عدم تسقيف الأسعار. وإذا سقفت الحكومة الأسعار، سيقطع الصندوق القرض، وسيخفض تصنيف المغرب. ولهذا، الحكومة تفضل إرضاء صندوق النقد الدولي، على إرضاء المواطن المغربي. المواطن لا يمنح القروض، والصندوق يمنحها.
وأضاف: هذا هو الاستعمار الاقتصادي الجديد. في السابق، كان الاستعمار بالدبابات. اليوم، أصبح الاستعمار بالقروض والتعليمات. صندوق النقد الدولي يقول للحكومة: لا تسقفي الأسعار، والحكومة تقول: سمعا وطاعة.
الخبايا الخامسة: الخوف من فضح الأرباح الخيالية.. التسقيف سيكشف المستور
السر الخامس والأخير، هو أن التسقيف سيكشف حقيقة الأرباح الخيالية التي تحققها شركات المحروقات، والتي تحاول إخفاءها.
عندما تطالب الحكومة بالتسقيف، يجب عليها أن تحدد هامش الربح الحقيقي للشركات، وأن تعلن عنه للعموم. وهذا ما تخاف منه الشركات والحكومة معا، لأنه سيكشف أن هامش الربح يصل إلى 1.80 درهم في اللتر، بينما في فرنسا لا يتجاوز 0.30 درهم.
وقال عضو في مجلس المنافسة: شركات المحروقات ترفض التسقيف، لأن التسقيف سيجبرها على الكشف عن حساباتها الحقيقية، وعن أرباحها الحقيقية، وعن الاتفاقات السرية بينها لتحديد الأسعار. التسقيف هو مرآة، ستكشف أن الشركات تتفق فيما بينها على رفع الأسعار، وأنها تمارس الاحتكار. ولهذا، تفضل الشركات أن تبقى الأسعار حرة، لكي تبقى أرباحها سرية.
الفصل الأخير: ماذا يقول المواطن؟ وماذا يقول الخبراء؟
التقى المراسل بعشرات المواطنين في الدار البيضاء، في سيدي مومن وسباتة وحد السوالم ومديونة، وجميعهم يطالبون بالتسقيف.
وقال سائق طاكسي: أنا لا أفهم في الاقتصاد، لكن أفهم أن الغازوال في فرنسا بـ 12 درهم، وفي المغرب بـ 17 درهم، رغم أن فرنسا أغنى منا. كيف يعقل هذا؟ التسقيف هو الحل، وإلا سنموت بالجوع.
وقال أستاذ جامعي: التسقيف معمول به في كل الدول التي تحترم مواطنيها. في فرنسا، تسقف الدولة الأسعار عندما ترتفع بشكل جنوني. في إسبانيا، تسقف الدولة الأسعار. في إيطاليا، تسقف الدولة الأسعار. لماذا المغرب هو الدولة الوحيدة التي ترفض التسقيف؟ الجواب هو: لأن الحكومة في المغرب لا تحمي المواطن، بل تحمي الشركات.
مطالب الخبراء: 5 حلول بديلة إذا رفضت الحكومة التسقيف.
يطالب الخبراء، إذا أصرت الحكومة على رفض التسقيف، بـ:
1. تخفيض الضريبة على المحروقات من 10% إلى 5%، لتخفيف العبء على المواطن.
2. إعادة تشغيل مصفاة سامير في المحمدية، لتكرير البترول في المغرب، وتخفيض الثمن بـ 3 دراهم.
3. إجبار الشركات على إعلان هامش ربحها كل شهر، لكي يعرف المواطن كم تربح الشركات.
4. دعم مباشر للمهنيين، سائقي الطاكسيات والشاحنات، بـ 2000 درهم شهريا، لتعويضهم عن الغلاء.
5. فتح تحقيق في الاتفاقات السرية بين شركات المحروقات، ومحاكمة الشركات التي تتفق على الأسعار.
رفض التسقيف ليس اقتصاديا، بل سياسيا.
بعد هذا التحقيق، أصبح واضحا أن رفض الحكومة تسقيف أسعار المحروقات، ليس قرارا اقتصاديا، كما تدعي الحكومة، بل هو قرار سياسي، تحمي به الحكومة:
– مداخيلها الضريبية.
– مصالح وزرائها وبرلمانييها الذين يملكون محطات الوقود.
– مصالح شركات المحروقات الكبرى.
– تعليمات صندوق النقد الدولي.
– سرية الأرباح الخيالية للشركات.
فهل ستستمر الحكومة في رفض التسقيف، وحماية الشركات على حساب المواطن، حتى يختفي المواطن المغربي تماما، أم أن الضغط الشعبي والبرلماني، سيجبرها أخيرا على تسقيف الأسعار، وحماية المواطن من الغلاء، كما تفعل كل الدول التي تحترم شعوبها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى