الاقتصاديةالسياسيةالقانــونقضايا المجتمعكتاب الراىمنوعات

قانون تحرير أسعار المحروقات.. كيف قضى تماما على الطبقة المتوسطة وأفقر الفقراء في المغرب؟

الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب

almizan.ma

قانون تحرير أسعار المحروقات.. كيف قضى تماما على الطبقة المتوسطة وأفقر الفقراء في المغرب؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
في سنة 2015، أعلنت حكومة عبد الإله بنكيران، بفخر كبير، عن تحرير أسعار المحروقات في المغرب، واعتبرت ذلك إصلاحا تاريخيا سينقذ صندوق المقاصة، وسيوفر على الدولة 30 مليار درهم سنويا.
اليوم، بعد 11 سنة من هذا القرار، وبعد أن وصل سعر الغازوال إلى 17 درهما للتر، والبنزين إلى 16 درهما، والبوطاغاز إلى 60 درهما، والسؤال الذي يطرحه كل المغاربة: من ربح من التحرير؟ ومن خسر؟
هذا التحقيق، الذي أجراه المىدراسل مع خبراء اقتصاديين، وسائقي طاكسيات، وأرباب الشاحنات، وأسر من سيدي مومن وسباتة وحد السوالم ومديونة، يكشف بالأرقام والشهادات، كيف تحول قانون تحرير المحروقات من إصلاح إلى “كارثة اجتماعية”، قضت تماما على الطبقة المتوسطة، وأفقرت الفقراء، وأغنت شركات المحروقات الكبرى.
الفصل الأول: قبل التحرير وبعده.. الأرقام التي لا تكذب.
قبل التحرير، كانت الدولة تدعم المحروقات عبر صندوق المقاصة، وكان سعر الغازوال ثابتا:
– *2014، قبل التحرير:* الغازوال: 7.50 درهم، البنزين: 10 دراهم، البوطاغاز: 40 درهم.
– *2026، بعد التحرير:* الغازوال: 16.80 درهم، البنزين: 15.90 درهم، البوطاغاز: 60 درهم.
أي أن سعر الغازوال ارتفع بـ *124%*، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأجور بـ 10% فقط خلال نفس الفترة.
وقال اخبير اقتصادي، : التحرير كان أكبر خطأ اقتصادي في تاريخ المغرب الحديث. الدولة تخلت عن دعم المحروقات، وتركت المواطن فريسة لشركات المحروقات، ولتقلبات السوق العالمية، وللدرهم. الدولة وفرت 30 مليار درهم، لكن المواطن خسر 100 مليار درهم بسبب الغلاء الذي تسبب فيه التحرير في كل المواد: الخضر، النقل، الكهرباء، كل شيء ..
الفصل الثاني: كيف قتل التحرير الطبقة المتوسطة؟
الطبقة المتوسطة في المغرب، التي كانت تمثل 50% من السكان في 2014، أصبحت اليوم تمثل 20% فقط، حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط. والسبب الأول، حسب الخبراء، هو تحرير المحروقات.
1. الموظف المتوسط: الراتب يتبخر في الطريق.
التقينا بالسيد عبد الرحيم، أستاذ في حد السوالم، يسكن في سيدي مومن، ويعمل في حد السوالم، يقطع 60 كلم يوميا.
وقال: قبل التحرير، كنت كنعمر المازوط بـ 200 درهم في الأسبوع، اليوم كنعمر بـ 600 درهم. يعني 2400 درهم في الشهر غير المازوط، وأنا صاليري ديالي 7000 درهم. كيبقى ليا 4600 درهم للكراء والماكلة وولادي. قبل كنت كنعيش مرتاح، اليوم كنعيش بالكريدي، وبعت الطوموبيل ووليت كنركب في الطوبيس. الطبقة المتوسطة ماتت، حنا ولينا فقراء بلباس متوسط.
2. صاحب المقاولة الصغيرة: من مقاولة إلى إفلاس.
السيد لحسن، يملك مقاولة صغيرة للنقل في سباتة، لديه 3 شاحنات.
وقال: قبل التحرير، كنت كنخلص 5000 درهم مازوط في الشهر للكاميو الواحد، اليوم كنخلص 14000 درهم. والكليان ما بغاش يزيد في الثمن، حيت حتى هو عندو الغلاء. النتيجة: بعت 2 كاميوات، وسرحت 4 ديال العمال، وبقيت بوحدي. المقاولات الصغيرة كلها ماتت بسبب المازوط.
3. صاحب الطاكسي: يشتغل 14 ساعة ليأكل الخبز.
سائق الطاكسي الكبير في الدار البيضاء، الحاج مصطفى، قال: كنخدم 14 ساعة في النهار، كنصور 400 درهم، 250 درهم كتمشي للمازوط، 100 درهم للروسيطة، كيبقى ليا 50 درهم. واش هادي هي العيشة؟ قبل التحرير، كنت كنصور 200 درهم صافية في النهار، وكنت مرتاح. اليوم، كنخدم أكثر، وكنصور أقل، وكنموت بالفقر.
الفصل الثالث: الفقير يدفع الثمن مضاعفا.. “اللي ما عندوش طوموبيل تاهو تخلص.
يعتقد البعض أن تحرير المحروقات يضر فقط بأصحاب السيارات، لكن الحقيقة أن الفقير الذي لا يملك سيارة، هو أول ضحية.
لأن كل شيء في المغرب يعتمد على المحروقات:
– الخضر: ثمن نقل الخضر من سوق الجملة بالدار البيضاء إلى سوق الموارنة في سباتة، كان 200 درهم للشاحنة، اليوم 800 درهم. وهذا الارتفاع يتحمله المواطن الفقير في ثمن البطاطس والطماطم.
– الخبز: ثمن نقل الدقيق ارتفع، وثمن الخبز ارتفع من 1 درهم إلى 1.50 درهم.
– الطاكسي والطوبيس: ثمن الطاكسي من سيدي مومن إلى سباتة كان 6 دراهم، اليوم 12 درهم. والفقير الذي يركب الطاكسي مرتين في اليوم، يدفع 720 درهم شهريا فقط للتنقل.
– البوطاغاز: الأم الفقيرة التي كانت تشتري البوطة بـ 40 درهم، اليوم تشتريها بـ 60 درهم، أي 120 درهم شهريا لبوطتين، وهي لا تملك حتى 1000 درهم.
وقالت السيدة فاطمة، أرملة في دوار لكوارة، تبيع المسمن: أنا ما عنديش طوموبيل، ولكن الغلاء قتلني. قبل، كنت كنشري البطاطس بـ 3 دراهم، اليوم بـ 10 دراهم. والبوطة بـ 60 درهم. والطاكسي بـ 12 درهم. أنا كنبيع المسمن بـ 2 دراهم، وكنصور 50 درهم في النهار، كيفاش غادي نعيش؟ التحرير أفقرني، وأنا فقيرة أصلا.

الفصل الرابع: من ربح من التحرير؟ شركات المحروقات تربح الملايير
في الوقت الذي يموت فيه المواطن بالغلاء، تربح شركات المحروقات الكبرى الملايير.
حسب تقرير مجلس المنافسة، الذي صدر في 2023، فإن شركات المحروقات في المغرب حققت أرباحا خيالية بعد التحرير:
– هامش الربح في لتر الغازوال كان 0.30 درهم قبل التحرير، أصبح 1.80 درهم بعد التحرير، أي 6 أضعاف.
– أرباح الشركات الكبرى ارتفعت من 2 مليار درهم سنويا قبل التحرير، إلى 12 مليار درهم سنويا بعد التحرير.
– عدد محطات الوقود ارتفع من 2000 محطة إلى 3500 محطة، لأن التجارة في المحروقات أصبحت تجارة ذهب.
وقال خبير اقتصادي: التحرير لم يحرر الأسعار، بل حرر الشركات لتنهب المواطن. في المغرب، لدينا 5 شركات تتحكم في 80% من السوق، وتتفق فيما بينها على الأسعار. عندما ينخفض سعر البترول في العالم بـ 10 دراهم، ينخفض عندنا بـ 0.20 درهم. وعندما يرتفع في العالم بـ 1 درهم، يرتفع عندنا بـ 2 درهم. هذا ليس تحريرا، هذا احتكار مقنع.
وأضاف: في فرنسا، عندما حرروا الأسعار، وضعوا آليات للمراقبة، وفرضوا على الشركات أن تعلن عن هوامش ربحها. في المغرب، حرروا الأسعار، وتركوا الشركات تفعل ما تشاء، بلا مراقبة، بلا محاسبة.
الفصل الخامس: الدولة وعدت بالبديل.. وأين هو البديل؟
عندما حررت الحكومة الأسعار في 2015، وعدت المواطنين بثلاثة أشياء:
1. دعم مباشر للفقراء: وعدت بأن توفر 30 مليار درهم من المقاصة ستذهب لدعم الفقراء، لكن الفقراء لم يروا شيئا، والدعم المباشر الذي بدأ في 2023، لا يتجاوز 500 درهم شهريا، وهو لا يغطي حتى ثمن البوطاغاز والمازوط.
2. تحسين النقل العمومي: وعدت بأن توفر بديلا للسيارات، لكن الطرامواي والطوبيس في الدار البيضاء لا يزالان في حالة مزرية، ولا يصلان إلى الأحياء الشعبية.
3. خفض الضرائب: وعدت بأن تخفض الضريبة على المحروقات (TVA)، لكنها لم تفعل، بل لا تزال الدولة تأخذ 2.50 درهم ضريبة على كل لتر غازوال، أي أن الدولة نفسها تستفيد من الغلاء.
وقال مواطن في سباتة: الدولة كتاخد منا الضريبة على المازوط، والشركات كتاخد منا الربح، وحنا كنخلصو كلشي. الدولة والشركات شركاء في نهب المواطن.
الفصل السادس: هل يمكن العودة إلى الدعم؟ الحلول الممكنة.
يطالب خبراء واقتصاديون وجمعيات حماية المستهلك بـ 5 حلول عاجلة:
1. تحديد سقف لهامش الربح: كما فعلت فرنسا وإسبانيا، تحديد هامش ربح الشركات في 0.50 درهم للتر، وليس 1.80 درهم.
2. إعادة تشغيل مصفاة سامير: مصفاة المحمدية، التي أغلقت في 2015، كانت توفر 30% من حاجيات المغرب، وكانت تحمي المغرب من تقلبات السوق. إعادة تشغيلها ستوفر 5 دراهم في اللتر.
3. خفض الضريبة على المحروقات: من 10% إلى 5%، كما هو معمول به في المواد الأساسية.
4. دعم النقل العمومي: استثمار 10 مليار درهم في الطوبيسات والطرامواي في الدار البيضاء، لتخفيف العبء على المواطنين.
5. إعادة النظر في قانون التحرير: إلغاء التحرير الكلي، والعودة إلى نظام التسقيف، حيث تحدد الدولة سقفا أعلى للأسعار، لا يمكن للشركات تجاوزه.
التحرير كان إصلاحا للأغنياء على حساب الفقراء.
بعد 11 سنة من تحرير أسعار المحروقات، النتيجة واضحة: الأغنياء ازدادوا غنى، والشركات ازدادت ربحا، والدولة وفرت الملايير، والطبقة المتوسطة اختفت، والفقراء ازدادوا فقرا.
قانون التحرير لم يكن إصلاحا اقتصاديا، بل كان عملية نقل للثروة من جيوب الفقراء والطبقة المتوسطة إلى جيوب شركات المحروقات.
فهل ستتحرك الحكومة الحالية لإصلاح هذا القانون الجائر، وتعيد الدعم للمحروقات، وتضع سقفا لأرباح الشركات، أم أن المغاربة سيبقون يدفعون ثمن تحرير لم يستفيدوا منه، حتى يختفي آخر فقير وآخر موظف من الطبقة المتوسطة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى