أطفال التوحد في المغرب.. هل أصبح التعليم والعلاج حكرا على أبناء المال والجاه؟
الميزان/ الدار البيضاء: ذ.المصطفى قصاب
“بعت ذهبي، وبعت داري في سيدي مومن، واليوم أنا كنكري بيت واحد مع ولدي التوحدي، باش نخلص ليه غير 4000 درهم في الشهر ديال المركز. واش هذا هو المغرب؟ واش ولدي حيت فقير ما عندوش الحق يتعلم ويتعالج؟”
بهذه الكلمات المؤلمة، استقبلتنا السيدة فاطمة، 38 سنة، أم لطفل مصاب بطيف التوحد يبلغ من العمر 7 سنوات، في بيتها المتواضع بحي الموارنة في سباتة. كلماتها تلخص مأساة أكثر من 100 ألف أسرة مغربية، لديها طفل توحدي، وتعيش اليوم بين مطرقة الغلاء وسندان الإهمال الحكومي.
ففي المغرب، أصبح تشخيص طفل بالتوحد، بمثابة حكم بالإفلاس على الأسرة الفقيرة، وحكم بالمعاناة الأبدية على الطفل نفسه، لأن التعليم والعلاج، اللذين من المفترض أن يكونا مجانيين وحقا دستوريا، تحولا إلى تجارة مربحة لا يستفيد منها إلا أبناء المال والجاه.
هذا التحقيق، الذي استغرق أسبوعا كاملا، وتنقلنا فيه بين الدار البيضاء وسيدي مومن وحد السوالم ومديونة والرباط، يكشف بالأرقام والشهادات، كيف أصبح التوحد في المغرب امتيازا للأغنياء، وعقابا للفقراء.
الفصل الأول: الأرقام الصادمة.. 100 ألف طفل في مواجهة 20 مركزا عموميا فقط.
حسب معطيات وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية، وحسب الجمعية المغربية للتوحد، فإن المغرب يسجل:
– أكثر من *120 ألف طفل* مصاب بطيف التوحد، بينهم 60 ألف في سن التمدرس (4 – 14 سنة).
– عدد المراكز العمومية المتخصصة لا يتجاوز 25 مركزا* في المغرب كله، 6 منها فقط في الدار البيضاء الكبرى، وكلها مملوءة عن آخرها، ولوائح الانتظار فيها تصل إلى 3 سنوات.
– عدد الأطر المتخصصة لا يتجاوز 400 أخصائي في النطق والتقويم النفسي الحركي والتربية الخاصة، بينما المغرب يحتاج إلى أكثر من 5000 أخصائي.
– عدد الأساتذة المتخصصين في أقسام الدمج المدرسي لا يتجاوز 800 أستاذ*ط، بينما عدد الأطفال المحتاجين يفوق 60 ألفا.
والنتيجة: 90% من أطفال التوحد في المغرب لا يذهبون إلى المدرسة، أو يذهبون إلى مدارس عادية ترفضهم بعد أسبوع، لأن الأساتذة غير مكونين، والأقسام مكتظة، ولا يوجد مرافق.
وقال رئيس جمعية بالدار البيضاء: الدولة تقول إنها أدمجت 10 آلاف طفل توحدي في المدارس العمومية. هذا كذب. الدمج الحقيقي لا يتجاوز 1000 طفل، والباقي يتم تسجيلهم شكليا في المدارس، ثم يجلسون في آخر القسم، بلا مرافق، بلا برنامج، بلا أي شيء. وبعد شهرين، يطردونهم بطريقة غير مباشرة، ويقولون للأم: ولدك ما كيبغيش يقرا، دييه لشي مركز خاص.
الفصل الثاني: فاتورة العلاج.. 6000 درهم شهريا، والفقير يموت في صمت.
هنا تبدأ المأساة الحقيقية. لأن الدولة عندما تتخلى عن الطفل، تضطر الأسرة للجوء إلى القطاع الخاص، والقطاع الخاص في المغرب أصبح تجارة أكثر منه علاجا.
قمنا بجولة في 10 مراكز خاصة في الدار البيضاء والرباط وبرشيد، وهذه هي الأسعار الحقيقية التي وجدناها:
نوع العلاج الثمن الشهري في المركز الخاص
مركز خاص متكامل (تعليم + نطق + تقويم) 5000 إلى 8000 درهم شهريا
حصة تقويم النطق (Orthophonie)** 300 إلى 500 درهم للحصة الواحدة، أي 2400 درهم شهريا لـ 8 حصص
حصة التقويم النفسي الحركي (Psychomotricité) 350 درهم للحصة
مرافقة مدرسية (AVS) 3000 إلى 4500 درهم شهريا، تدفعها الأسرة من جيبها.
تحاليل وفحوصات التشخيص 5000 إلى 12000 درهم مرة واحدة
أدوية ومكملات غذائية 1000 إلى 2000 درهم شهريا، غير معوضة من CNSS
أي أن الأسرة الفقيرة، التي لا يتجاوز دخلها 4000 درهم شهريا، تحتاج إلى 10 آلاف درهم شهريا لعلاج ابنها بشكل صحيح. وهو أمر مستحيل.
وقال الأب محمد، عامل في الحي الصناعي بسيدي مومن، وابنه توحدي عمره 9 سنوات: “أنا كنخلص 3500 درهم. المركز طلب مني 6000 درهم. منين غادي نجيبها؟ بعت الموطور ديالي، وتسلفت من العائلة، ودابا ما بقيت قادر. ولدي كيجلس في الدار، كيضرب راسو في الحيط، وأنا كنتفرج فيه وكنبكي. إلا كنت غني، كون ولدي اليوم كيتكلم وكيمشي للمدرسة. ولكن حيت فقير، ولدي غادي يبقى هكاك حتى يموت.
في المقابل، الأسر الغنية، أبناء المال والجاه، يرسلون أبناءهم إلى مراكز فاخرة في الدار البيضاء والرباط، بـ 8000 درهم شهريا، مع مرافقة خاصة، وأساتذة أجانب، وعلاج بالخيول والموسيقى، بل ومنهم من يسافر بأبنائه إلى إسبانيا وفرنسا وتركيا للعلاج، بتكلفة 30 ألف درهم شهريا.
الفصل الثالث: المدرسة العمومية تطرد أطفال التوحد.. “ولدك مشاغب”
ذهبنا إلى 5 مدارس عمومية في سباتة وسيدي مومن وحد السوالم، وسألنا المديرين عن أطفال التوحد، فكان الجواب موحدا: لا نتوفر على إمكانيات.
وقالت أم لطفل توحدي عمره 6 سنوات في حد السوالم: “سجلت ولدي في المدرسة، المديرة قالت ليا: جيبي ليه مرافقة (AVS) تخلصيها انتي بـ 3500 درهم، وإلا ما تقبلوش. منين غادي نجيب 3500 درهم؟ أنا أرملة وكنبيع المسمن في السوق. رفضوه. دابا ولدي في الدار.
وقال أستاذ في مدرسة عمومية بالدار البيضاء: حنا ما تكوناش في التوحد. كيعطيونا قسم فيه 45 تلميذ، وفيه طفل توحدي كيبغي يضرب ويغوت، وما عندناش تكوين. كنقولو للأم: دي ولدك لشي مركز. ماشي حيت كنكر هوه، ولكن حيت الدولة ما كوناتناش وما عطاتناش الوسائل. الدولة كتخلي الأستاذ والطفل والأم يتعذبو، وهي كتتفرج.
وحسب القانون الإطار 97-13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، فإن التعليم حق لجميع الأطفال، لكن هذا القانون بقي حبرا على ورق، ولم يتم تفعيله.
الفصل الرابع: الجمعيات.. الحلقة الأضعف التي تنقذ ما يمكن إنقاذه.
في ظل غياب الدولة، تحاول جمعيات المجتمع المدني أن تقوم بالدور، لكنها تعاني من الإهمال.
زرنا جمعية في سيدي مومن، تضم 80 طفلا توحديا، وتشتغل في 3 غرف فقط، بلا دعم حكومي حقيقي، تعتمد على تبرعات المحسنين.
وقالت رئيسة الجمعية: “كنتلقى دعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، 10 مليون سنتيم في السنة، وهي لا تكفي حتى لكراء المقر. وكنطلب من الآباء 500 درهم في الشهر، وحتى هادي ما كيقدروش يخلصوها. كنخدمو بـ 4 مربيات، كيخلصو 2500 درهم، وهما ما عندهمش تكوين كافي. حنا كنحاولو ننقذو ما يمكن، ولكن الدولة خلاتنا بوحدنا”.
وأضافت: الجمعيات الكبيرة اللي عندها علاقات مع السياسيين، كتاخد الدعم كامل، والجمعيات الصغيرة اللي خدامة فعلا في الأحياء الشعبية، ما كتوصلها والو. حتى في التوحد، كاين الزبونية والمحسوبية.
الفصل الخامس: أين هي 2 مليار للأمازيغية وأين هي ميزانية التوحد؟
هنا يطرح السؤال الذي يغضب الأسر: الدولة تخصص 2 مليار درهم لتدريس الأمازيغية، وتخصص الملايير للمهرجانات والملاعب، لكنها لا تخصص إلا 50 مليون درهم سنويا لمراكز التوحد في المغرب كله، أي أقل من درهم واحد لكل طفل في اليوم.
وقال أب غاضب: ولدي التوحدي أولى بـ 2 مليار من كتاب الأمازيغية. ولدي باغي يهضر ويتعلم، ماشي باغي يتعلم 64 لهجة. الدولة كتصرف الفلوس على الشكليات، وكتنسى الإنسان. أطفالنا كيموتو بالبطء، والدولة كتتفرج.
مطالب الأسر: 5 مطالب عاجلة لإنقاذ أطفال التوحد
يطالب آباء وأمهات أطفال التوحد، في بيان وطني، بـ:
1. التشخيص المبكر المجاني: إنشاء مراكز جهوية للتشخيص المبكر في كل المستشفيات العمومية، مجانا، قبل سن 3 سنوات.
2. التعويض عن العلاج: إدراج حصص النطق والتقويم النفسي الحركي والمرافقة المدرسية في سلة العلاجات المعوض عنها من طرف CNSS وAMO، كما هو معمول به في فرنسا.
3. مجانية التعليم: إنشاء أقسام دامجة حقيقية في كل مدرسة عمومية، مع أستاذ متخصص ومرافق ممول من الدولة، وليس من جيب الأسر.
4. دعم الجمعيات الحقيقية: تخصيص ميزانية سنوية قدرها 500 مليون درهم للجمعيات العاملة في التوحد، وتكوين 5000 مربي متخصص.
5. *طقانون خاص بالتوحد: إخراج قانون خاص بأطفال التوحد، يضمن لهم الحق في التعليم والعلاج والشغل، ويعاقب كل مدرسة ترفض طفلا توحديا.
التوحد ليس مرضا للأغنياء.
التوحد لا يفرق بين غني وفقير، يصيب ابن الوزير وابن العامل على حد سواء. لكن الفرق هو أن ابن الوزير يجد العلاج والتعليم، وابن الفقير يجد الإهمال والطرد.
إن استمرار هذا الوضع، سيجعل المغرب بلدا بطبقتين: طبقة تعالج أبناءها وتدمجهم، وطبقة تترك أبناءها يموتون في صمت في بيوت من القصدير في سيدي مومن وسباتة وحد السوالم.
فهل ستستيقظ الحكومة ووزارة التضامن ووزارة التعليم، وتجعل علاج وتعليم أطفال التوحد حقا للجميع، وليس امتيازا لأبناء المال والجاه، أم أن أطفال التوحد الفقراء سيبقون ضحايا لوطن لا يرحم ضعفاءه؟